ضربة جوية لمخيم نازحين تعيد أزمة أمهرة الإثيوبية إلى الواجهة

مخيمات النازحين في مرمى النيران

قُتل ما لا يقل عن 15 مدنياً، بينهم خمسة أطفال، في سلسلة ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت مخيماً للنازحين في إقليم أمهرة شمالي إثيوبيا يوم الخميس 29 أكتوبر، وفق إفادات مصادر شاركت في عمليات الإنقاذ نقلتها وكالة رويترز في 30 أكتوبر. وفي المقابل، أوردت وكالة الأناضول حصيلة بلغت 16 قتيلاً و22 مصاباً، استناداً إلى مصادر محلية ومراقبين للنزاع؛ ما يعني أن الحصيلة لا تزال أولية وغير محسومة.
استهدفت الضربات مخيم «جاري 2» قرب بلدة هايِك، الذي يضم أكثر من 1700 شخص فروا من أعمال العنف في مناطق أخرى. وقال شهود إن المسيّرة عادت لضرب الموقع عدة مرات، وإن الانفجارات تسببت في اشتعال أكثر من عشرين مأوى، بينما اضطرت عائلات إلى الفرار نحو مدرسة قريبة. ونُقل المصابون إلى مستشفى هايِك، ثم إلى مستشفى ديسي للحالات التي تحتاج إلى رعاية متخصصة.
وتكمن خطورة الحادث في أن المخيم ليس موقعاً عسكرياً معلناً، بل تجمع لأشخاص نزحوا أصلاً هرباً من القتال. لكن حتى الآن لم تتوافر أدلة مستقلة تحدد الجهة التي نفذت الضربة أو الهدف الذي كانت تسعى إليه، كما لم يصدر في التغطيات المنشورة بيان رسمي إثيوبي يوضح ملابسات الهجوم. وأشارت إفادات محلية إلى وجود عناصر من جماعة «فانو» المسلحة بالقرب من المنطقة، لكنها لا تثبت أن المخيم كان هدفاً عسكرياً أو أن وجود تلك العناصر يفسر استهدافه.
صراع داخلي يتجاوز المواجهة بين الجيش وفانو
يشهد إقليم أمهرة مواجهات بين القوات الفيدرالية ومليشيات «فانو» منذ عام 2023، بعد تدهور العلاقة بين الطرفين على خلفية ترتيبات أمنية وعسكرية داخل الإقليم. وتتهم الحكومة الجماعات المسلحة بتقويض سلطة الدولة وتهديد الأمن، بينما تقول الجماعات ومؤيدوها إن العمليات العسكرية الحكومية ألحقت أضراراً واسعة بالمدنيين، وإن مطالب الإقليم السياسية والأمنية لم تُعالج.
ولا يمكن فصل الحادث عن اتساع الاضطراب في شمال البلاد؛ إذ تجدد القتال في إقليم تيغراي ومناطق مجاورة خلال الأسابيع الأخيرة، بالتزامن مع تصاعد التوتر بين أديس أبابا وأسمرة. وتتهم إثيوبيا إريتريا بدعم خصومها عسكرياً، بينما تنفي إريتريا ذلك وتعتبر الاتهامات الإثيوبية تهديداً لها. وفي 10 أكتوبر، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلق بالغ من تجدد القتال في تيغراي وأمهرة وعفر، ودعا الأطراف إلى وقف الأعمال العدائية والعودة إلى الحوار بموجب اتفاق بريتوريا.
تحذيرات دولية من اتساع دائرة الحرب
تتجاوز المخاوف الدولية الخسائر المباشرة في المخيم. فالمفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب دعت في بيان صدر في 6 أكتوبر جميع الأطراف إلى حماية المدنيين والأعيان المدنية، واحترام اتفاق بريتوريا، وإتاحة المعلومات والاتصالات، واللجوء إلى الحوار بدلاً من التصعيد.
وفي تقييم بريطاني حديث للوضع الأمني في إثيوبيا، استناداً إلى بيانات مشروع رصد مواقع النزاعات والبيانات المتعلقة بها «ACLED» حتى 9 أكتوبر، سُجلت 66 واقعة استهداف للمدنيين باستخدام الضربات الجوية أو المسيّرات منذ بداية 2024، ارتبطت بمقتل 408 أشخاص. ويشير التقييم إلى أن الضربات الجوية ليست سوى جزء من نمط أوسع من استهداف المدنيين، وأن مسؤولية العنف موزعة بين أطراف مسلحة متعددة، بما فيها جماعات غير حكومية وقوات تابعة للدولة. وهذه أرقام رصدية وليست حصيلة نهائية لجميع الضحايا، كما أن صعوبة الوصول إلى بعض المناطق تجعل التوثيق غير مكتمل.
ومن زاوية إنسانية، قال منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في إثيوبيا، أوزونيا أوجييلو، في بيان صدر في 30 سبتمبر، إن النازحين الذين فروا من القتال السابق يواجهون مخاطر جديدة، وإن الاضطرابات الأمنية تعرقل عمل المنظمات الإنسانية وتعرض موظفي الإغاثة ومركباتهم ومنشآتهم للخطر. وكانت الأمم المتحدة قد خصصت في 14 أكتوبر 8.5 ملايين دولار من صندوق الاستجابة للطوارئ لدعم أكثر من 202 ألف شخص في مناطق شمالية، بينها أمهرة وتيغراي وعفر.
المعضلة أمام الحكومة والمانحين
تواجه الحكومة الإثيوبية معضلة مزدوجة: استعادة السيطرة الأمنية على مناطق تشهد تمرداً مسلحاً، ومنع العمليات العسكرية من توسيع دائرة النزوح وإضعاف ثقة السكان في المؤسسات الرسمية. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل مسؤولية الجماعات المسلحة عن حماية المدنيين، والابتعاد عن المناطق السكنية والمرافق التي تؤوي النازحين، وعدم تعريض العاملين في الإغاثة للخطر.
أما المانحون والمنظمات الدولية، فسيكونون أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتهم على الوصول إلى المتضررين والتحقق المستقل من الانتهاكات، من دون أن تتحول المساعدات إلى أداة في الصراع السياسي أو العسكري. كما أن استمرار التوتر بين إثيوبيا وإريتريا قد يحول أزمة داخلية إلى مواجهة إقليمية، بما يهدد أمن القرن الإفريقي وحركة التجارة والنزوح عبر الحدود.
ما ينبغي مراقبته خلال الأيام المقبلة هو نتائج أي تحقيق مستقل في ضربة مخيم «جاري 2»، وموقف السلطات الإثيوبية من الاتهامات، وإمكانية وصول فرق إنسانية إلى الموقع، فضلاً عن أي تحرك من الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة لمنع اتساع المواجهات. وحتى ظهور نتائج تحقيق موثوقة، تظل الجهة المسؤولة عن الهجوم والظروف العسكرية المحيطة به غير محسومتين.
المصادر
•وكالة الأناضول، 30 أكتوبر 2026: تقرير الهجوم على مخيم النازحين في أمهرة.
•رويترز، 30 أكتوبر 2026: تفاصيل الضربات والحصيلة الأولية وشهادات الإنقاذ.
•الأمم المتحدة في إثيوبيا، 30 سبتمبر 2026: بيان المنسق الأممي للشؤون الإنسانية أوزونيا أوجييلو.
•الأمم المتحدة، 10 أكتوبر 2026: موقف الأمين العام من تجدد القتال في شمال إثيوبيا.
•المفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، 6 أكتوبر 2026: بيان التوترات المتجددة في شمال إثيوبيا.
•الحكومة البريطانية، أكتوبر 2026: تقييم الحماية والأوضاع الأمنية في إثيوبيا وبيانات ACLED.
•الأمم المتحدة في إثيوبيا، 14 أكتوبر 2026: تخصيص 8.5 ملايين دولار للاستجابة الإنسانية.

اترك تعليقا