صمود حزب الله يربك إسرائيل ميدانياً

يعكس تحولا مهما في طبيعة الصراع

تشير التقارير الأخيرة، وعلى رأسها ما نشرته مجلة الإيكونوميست، إلى أن أداء حزب الله في المواجهة الجارية مع الجيش الإسرائيلي فاق التوقعات الإسرائيلية، سواء من حيث القدرة على الصمود أو الاستمرار في العمليات القتالية. هذا التطور يعكس تحولا مهما في طبيعة الصراع، ويطرح تساؤلات حول أهداف الحرب وإمكانية تحقيقها.

وفق التقديرات الإسرائيلية، فإن الحزب لم يتعرض لانهيار في بنيته القيادية، رغم الضربات الجوية المكثفة. بل إن القتال أظهر مرونة تنظيمية عالية، وقدرة على التكيف مع الضغوط الميدانية، خاصة في مناطق مثل جنوب لبنان وبنت جبيل التي تعد من أبرز بؤر الاشتباك.

تكتيكات جديدة وتغير في نمط القتال

أحد أبرز التحولات في هذه المواجهة هو اعتماد حزب الله على ما وصفته مصادر إسرائيلية بـ”اقتصاد التسليح”، أي تحقيق أكبر أثر عسكري بأقل تكلفة. ويظهر ذلك بوضوح في التوسع باستخدام الطائرات المسيّرة، خاصة من نوع FPV، التي تتميز بقدرتها على المناورة وحمل متفجرات دقيقة.

في المقابل، يشير الخبير العسكري اللبناني العميد المتقاعد هشام جابر إلى أن “التحول نحو المسيّرات ليس مجرد خيار تكتيكي، بل هو استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى استنزاف الدفاعات الإسرائيلية وإرباكها”. ويضيف أن هذه الأدوات تتيح للحزب استهداف القوات الإسرائيلية بشكل مباشر في الخطوط الأمامية، بدلاً من الاعتماد فقط على الصواريخ بعيدة المدى.

أما المحلل الإسرائيلي عاموس هرئيل فيرى أن “الجيش الإسرائيلي نجح في تطوير قدراته الدفاعية ضد الصواريخ، لكنه لا يزال يواجه تحديات حقيقية في التصدي للأسراب المتزايدة من الطائرات المسيّرة”.

صدمة داخل المؤسسة الإسرائيلية

التصريحات الصادرة عن بعض الجنرالات الإسرائيليين تعكس حجم التحدي. فقد أقر أحدهم بأن نزع سلاح حزب الله بالكامل “غير ممكن دون احتلال لبنان”، وهو ما أثار جدلاً سياسياً واسعاً داخل إسرائيل.

ويرى الباحث في شؤون الأمن القومي يوآف ليمور أن “إسرائيل تواجه معضلة استراتيجية: إما القبول بحرب طويلة منخفضة الحدة، أو الانخراط في تصعيد واسع يحمل مخاطر إقليمية كبيرة”. هذا التردد ينعكس على الأهداف العسكرية التي باتت أكثر “تواضعاً”، وفق وصف بعض المسؤولين.

تداعيات ميدانية وإنسانية

على الأرض، تستمر الاشتباكات العنيفة، خاصة في القرى الحدودية. وقد أسفرت المواجهات عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين، إضافة إلى دمار واسع في البنية التحتية. وتشير الأرقام إلى سقوط آلاف الضحايا ونزوح أكثر من مليون شخص داخل لبنان، ما يفاقم الأزمة الإنسانية.

الخبير في الشؤون الإنسانية ديفيد ميليباند يحذر من أن “استمرار القتال بهذا الشكل سيؤدي إلى كارثة إنسانية طويلة الأمد، تتجاوز قدرة المؤسسات الدولية على الاستجابة”.

التأثيرات الإقليمية والدولية

لا يمكن فصل هذه المواجهة عن السياق الأوسع للحرب بين إيران والولايات المتحدة، حيث يُنظر إلى حزب الله كأحد أبرز حلفاء طهران في المنطقة. وبالتالي، فإن أي تصعيد في لبنان قد ينعكس مباشرة على مسار التهدئة الهش في الخليج.

ويؤكد المحلل السياسي فواز جرجس أن “لبنان بات ساحة اختبار لتوازن القوى الإقليمي، وأن صمود حزب الله يعزز موقف إيران التفاوضي في أي محادثات مع واشنطن”.

التوقعات المستقبلية

تشير معظم التقديرات إلى أن الصراع مرشح للاستمرار في المدى القريب، دون حسم واضح لأي طرف. فإسرائيل تبدو غير قادرة على تحقيق نصر حاسم دون تكلفة باهظة، في حين يراهن حزب الله على استراتيجية الاستنزاف الطويل.

ويرى هشام جابر أن “المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيداً محدوداً، خاصة مع زيادة استخدام المسيّرات، لكن من غير المرجح الوصول إلى حرب شاملة في الوقت الراهن”.

في المقابل، يحذر عاموس هرئيل من أن “أي خطأ ميداني أو ضربة كبيرة قد يدفع الأمور نحو انفجار واسع لا يمكن السيطرة عليه”.

تكشف هذه المواجهة عن واقع جديد في الصراع، حيث لم تعد القوة النارية وحدها كافية لتحقيق النصر. فالتكتيكات غير التقليدية، والمرونة التنظيمية، والدعم الإقليمي، كلها عوامل تعيد رسم موازين القوى. وبينما تستمر المعارك، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام حرب استنزاف طويلة، أم أن المنطقة على أعتاب تصعيد أكبر؟