سنة التدافع

ثائر سليمان الشبلي يكتب

سنة التدافع هي من القوانين الإلهية التي أودعها الله في هذا الكون، فهي تجري بمعادلاتها على الأفراد والجماعات والمجتمعات والدول والحضارات؛ قال الله تعالى {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم}.
ومن السنن التي أودعها الله في هذا الكون سنة المداولة، وسنة التغيير، وسنة الاستخلاف. وسنة التمكين.

وأصل التدافع يكون بين الحق والباطل، و قد يكون بين الباطل والباطل.
قال ابن خلدون: “اعلم أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ برأها الله” قال: “وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل” [مقدمة ابن خلدون، ص: 145].

وبتقديري الشخصي ( ولعله يكون مجال بحث ) قد يكون فرع عن هذه السنة ما يحصل بين جماعات الحق، من التنافس الخفي، فتتفوق فئة على أخرى وذاك بحسب إعدادهم وإخلاصهم وتقواهم وأخذهم بأسباب التمكين ومقتضيات الاستخلاف.

والآية الرئيسية في الباب هي قول الله تعالى: { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة : 251].
قال ابن عباس : ولولا دفع الله العدو بجنود المسلمين لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين وخربوا البلاد والمساجد .
قال السعدي في تفسيره: لولا أنه يدفع بمن يقاتل في سبيله كيد الفجار وتكالب الكفار لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها وإقامتهم شعائر الكفر ومنعهم من عبادة الله تعالى، وإظهار دينه { ولكن الله ذو فضل على العالمين } حيث شرع لهم الجهاد الذي فيه سعادتهم والمدافعة عنهم ومكنهم من الأرض بأسباب يعلمونها، وأسباب لا يعلمونها.

والآية الثانية في الباب قول الله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج : 40]
لهدمت هذه المعابد الكبار، لطوائف أهل الكتاب، معابد اليهود والنصارى، والمساجد للمسلمين.
قال ابن كثير أي : لولا أنه يدفع عن قوم بقوم ، ويكشف شر أناس عن غيرهم ، بما يخلقه ويقدره من الأسباب ، لفسدت الأرض ، وأهلك القوي الضعيف .

ومما يدل على تسليط الظالمين على بعضهم البعض هو قول الله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام : 129]
قال ابن كثير: كذلك نفعل بالظالمين، نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض جزاء على ظلمهم وبغيهم» .
وقال الفضيل بن عياض: إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم، فقف وانظر فيه متعجبا.
وقال مالك بن دينار : قرأت في الزبور : إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين ، ثم أنتقم من المنافقين جميعا ، وذلك في كتاب الله قوله تعالى ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ) .

ومن أمثلة التدافع بين الأمم تدافع الروم والفرس قبيل ظهور الإسلام، فجاءت دولة الإسلام فأجهزت على الإمبراطوريتين المنهكتين من حروبهما وتنافسهما مع بعضهما البعض.
كذلك في العصر الحديث بعد أن وقعت البلاد العربية تحت الانتداب والسيطرة الأوروبية حصل ما حصل بين الدول تلك خلافات، ونشأت بين الدولة الواحدة حكومات كان ذلك سببا لانفراج أودى بتحرر الدول الواقعة تحت سيطرتهم.

وربما تتجلى هذه السنة في انتصار الثورة السورية، قبعد انشغال القوى العالمية ببعض النزاعات كانشغال روسيا بحربها مع أوكرانيا ومن معها من الأوربيين والأمريكان.
والنزاعات التي حصلت في الإقليم وتداعيات الطوفان أعطت انفراجا لأبناء الثورة السورية الذين أعدوا العدة وانتظروا الفرصة السانحة، فكان الفتح والتحرير.

والخلاصة أن الله تعالى أودع في هذا الكون سنة التدافع فما دام أهل الحق في إعداد وصبر ومراكمة للقوة كان لهم الظفر والظهور على الباطل.