ستارمر بين ضغوط اللوبي وحرية التظاهر
وسط تحذيرات من تقويض الحريات المدنية
- السيد التيجاني
- 2 مايو، 2026
- تقارير
- الحريات المدنية, بريطانيا, حرية التظاهر, ستارمر, مظاهرات فلسطين
تشهد المملكة المتحدة مرحلة حساسة من الجدل السياسي والقانوني حول حدود حرية التظاهر، على خلفية المواقف الحكومية من المسيرات المتضامنة مع فلسطين. وتتصدر حكومة كير ستارمر هذا الجدل، في ظل اتهامات متزايدة بتأثر قراراتها بضغوط جماعات مؤيدة لـ إسرائيل، مقابل تحذيرات حقوقية من تقويض الحريات المدنية.
تصاعد التوتر بين الدولة والشارع
منذ اندلاع الحرب في غزة عام 2023، تحولت شوارع لندن إلى مسرح احتجاجات أسبوعية حاشدة. هذه المسيرات، التي ينظر إليها أنصارها باعتبارها تعبيرًا ديمقراطيًا مشروعًا، باتت في نظر الحكومة مصدر قلق أمني واجتماعي، خاصة مع تصاعد خطاب يتهم بعض المشاركين بتجاوز الخطوط القانونية.
في هذا السياق، ألمح ستارمر إلى إمكانية استخدام صلاحيات جديدة قد تصل إلى حظر بعض التظاهرات، مبررًا ذلك بما وصفه “التأثير التراكمي” على الجاليات اليهودية. هذا الطرح يعكس تحوّلًا في خطاب السلطة، من إدارة الاحتجاج إلى محاولة إعادة تعريف حدوده.
دور جماعات الضغط وتأثيرها
تتزايد التساؤلات حول طبيعة العلاقة بين صناع القرار في “10 داونينغ ستريت” وجماعات ضغط ناشطة في ملف العلاقات مع إسرائيل. فقد كشفت تقارير إعلامية عن تواصل مكثف بين مسؤولين حكوميين ومنظمات مثل المجلس التربوي اليهودي والشبكة القيادية الأوروبية (ELNET)، وهي جهات معروفة بنشاطها في التأثير على السياسات الأوروبية.
ويرى المحلل السياسي عزام التميمي أن هذا التداخل “ليس مفاجئًا”، مشيرًا إلى أن حكومة حزب العمال “مدينة جزئيًا لدعم هذه الجماعات في صعودها السياسي”. ويضيف أن القرارات الأخيرة، مثل محاولة حظر حركة “فلسطين أكشن”، تعكس استجابة مباشرة لضغوط منظمة.
في المقابل، تنفي الحكومة وجود أي تأثير غير مشروع، مؤكدة أن قراراتها تستند إلى اعتبارات أمنية وقانونية بحتة.
القضاء بين الاستقلال والضغوط
أحد أبرز أوجه الجدل يتعلق بمحاولات تواصل دبلوماسيين إسرائيليين مع جهات قضائية بريطانية، وفق ما كشفته تقارير صحفية. هذه المعطيات أثارت مخاوف بشأن استقلال القضاء، الذي يُعد أحد ركائز النظام السياسي البريطاني.
ويؤكد الخبير القانوني ديفيد أندرسون أن “أي انطباع بتأثير خارجي على القضاء قد يقوض الثقة العامة في المؤسسات”، مشددًا على أهمية الحفاظ على الفصل التام بين السلطات.
قرارات حكومية مثيرة للجدل
زاد الجدل تعقيدًا مع قرار الحكومة إغلاق وحدة داخل وزارة الخارجية كانت مختصة برصد الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي في مناطق النزاع، بما فيها غزة ولبنان. هذه الوحدة كانت توفر قاعدة بيانات ضخمة تُستخدم في تقييم سياسات تصدير الأسلحة.
وانتقدت ياسمين أحمد القرار، معتبرة أنه “يقوض قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة”، خاصة في ظل استمرار الانتهاكات.
في المقابل، بررت الحكومة الخطوة باعتبارات تتعلق بتخفيض النفقات وإعادة هيكلة الأولويات، وهو تفسير لم يقنع العديد من المراقبين.
الأمن مقابل الحريات
رفع مستوى التهديد الإرهابي إلى “شديد” أضاف بعدًا أمنيًا للنقاش. إذ تؤكد الأجهزة الأمنية وجود مخاطر حقيقية، بعضها مرتبط بتطورات خارجية. غير أن منتقدين يرون أن هذا المناخ يُستخدم لتبرير تشديد القيود على الاحتجاجات.
يقول الباحث الأمني بيتر نيومان إن “التحدي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين حماية الأمن القومي وضمان الحقوق الأساسية”، محذرًا من أن الإفراط في القيود قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
الشارع البريطاني وانقسام الرأي العام
المجتمع البريطاني يبدو منقسمًا بوضوح. فهناك شريحة واسعة ترى في المسيرات تعبيرًا عن التضامن الإنساني، خاصة بعد الصور القادمة من غزة، في حين تخشى فئات أخرى من تصاعد التوترات الداخلية.
وقد تجاوز عدد الموقعين على عريضة تطالب بالتحقيق في النفوذ المؤيد لإسرائيل داخل السياسة البريطانية 100 ألف شخص، وهو ما يفرض نظريًا نقاشًا برلمانيًا. ومع ذلك، لم تُترجم هذه الضغوط الشعبية إلى خطوات سياسية ملموسة حتى الآن.
السيناريوهات المحتملة
يرى مراقبون أن الحكومة أمام ثلاثة مسارات رئيسية. الأول هو المضي في تشديد القيود، وهو خيار قد يواجه تحديات قانونية كبيرة، خاصة في ظل تقاليد القضاء البريطاني في حماية الحريات.
الثاني يتمثل في الإبقاء على الوضع الحالي، مع إدارة الاحتجاجات دون تصعيد، وهو خيار قد لا يرضي جميع الأطراف. أما الثالث، فهو فتح حوار سياسي أوسع مع ممثلي المجتمع المدني، بهدف التوصل إلى صيغة توازن بين الأمن والحقوق.
تداعيات أوسع على السياسة البريطانية
لا يقتصر تأثير هذا الجدل على ملف التظاهرات فقط، بل يمتد إلى صورة بريطانيا الدولية، خاصة فيما يتعلق بالتزامها بحقوق الإنسان. كما قد يؤثر على العلاقة بين الحكومة والجاليات المختلفة داخل البلاد، وهو ما يمثل تحديًا إضافيًا في مجتمع متعدد الثقافات.
تعيش بريطانيا لحظة اختبار حقيقية لنموذجها الديمقراطي، حيث تتقاطع قضايا الأمن، والسياسة الخارجية، وحرية التعبير في ملف واحد. وبينما تسعى الحكومة إلى فرض رؤيتها، يواصل الشارع الضغط للحفاظ على حقوقه.
في النهاية، قد لا يكون السؤال فقط حول ما إذا كانت المسيرات ستُقيد أو تستمر، بل حول الشكل الذي ستتخذه الديمقراطية البريطانية في مواجهة أزمات معقدة تتجاوز حدودها الداخلية.