زيلينسكي يتخلى عن حلم الناتو وسط الضغوط
في خطوة تمثل تحولًا كبيرًا في المسار السياسي والعسكري
أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اليوم الأحد تخلي بلاده عن حلمها الاستراتيجي في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مقابل الحصول على ضمانات أمنية غربية، في خطوة تمثل تحولًا كبيرًا في المسار السياسي والعسكري لأوكرانيا بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب مع روسيا.
جاء هذا الإعلان قبيل اجتماعاته في العاصمة الألمانية برلين، حيث التقى المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ضمن جهود تسوية النزاع المستمر.
زيلينسكي يردخ لضغط ترامب
استجاب زيلينسكي لضغط الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتسريع التوصل إلى اتفاق سلام مع روسيا. وأوضح أن قبول الضمانات الأمنية الغربية، المقدمة من الولايات المتحدة ودول أوروبية مثل كندا واليابان، يشكل حلًا وسطًا يوازن بين حماية أوكرانيا والضغوط الدولية لإنهاء الحرب.
وأكد أن هذه الضمانات يجب أن تكون ملزمة قانونيًا، مشيرًا إلى أن أوكرانيا لا تجري محادثات مباشرة مع روسيا، بل تعتمد على الوساطة الغربية لضمان وقف إطلاق النار وحفظ الأمن، بما يعكس استجابة واضحة لتوجيهات ترامب.
تخلي أوكرانيا عن حلم الناتو يمثل تغييرًا تاريخيًا في سياسة كييف الخارجية، إذ كانت عضوية الحلف تعتبر حجر الزاوية في استراتيجيتها الدفاعية منذ 2014. وصرح زيلينسكي عبر تطبيق واتساب للصحفيين: “منذ البداية، كانت رغبتنا الانضمام إلى الناتو، باعتباره ضمانات أمنية حقيقية.
لكن بعض الشركاء من الولايات المتحدة وأوروبا لم يدعموا هذا الاتجاه. لذا، فإن الضمانات الأمنية الثنائية من الولايات المتحدة والشركاء الأوروبيين، إضافة إلى دول أخرى مثل كندا واليابان، تشكل حلاً وسطًا لمنع غزو روسي آخر”.
اجتماعات برلين والضمانات الغربية
خلال اجتماعاته في برلين، التقى زيلينسكي بالمستشار الألماني فريدريش ميرتس وعدد من المسؤولين الأميركيين، حيث بحثوا خطة مؤلفة من 20 بندًا تركز على وقف إطلاق النار على طول خطوط التماس الحالية، مع ضمانات أمنية واضحة لأوكرانيا.
وأكد زيلينسكي أن الاتفاق النهائي يجب أن يكون ملزمًا قانونيًا، لضمان عدم تعرض بلاده لهجوم روسي آخر.
وقال مصدر قريب من الاجتماعات إن ميرتس اكتفى بإدلاء بتعليقات مقتضبة قبل السماح للجانبين بالتفاوض، فيما من المتوقع وصول قادة أوروبيين آخرين لإجراء محادثات إضافية يوم الاثنين 15 ديسمبر، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل لإنهاء الحرب.
ردود الفعل الدولية
أثار إعلان زيلينسكي ردود فعل متباينة على الصعيد الدولي. في أوروبا، أبدت بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تفهمها للخطوة باعتبارها محاولة لتجنب استمرار الحرب.
لكنها عبرت عن قلقها من أن التخلي عن حلم الناتو قد يضعف موقف أوكرانيا طويل المدى في مواجهة الضغوط الروسية. وقال ألكسندر فان در مير، محلل أمني في بروكسل: “أوكرانيا الآن تتخلى عن ركيزة دفاعية أساسية لمصلحة ضمانات غير ملزمة بالكامل، وهذا قد يتركها ضعيفة إذا لم يتم التزام المجتمع الدولي فعليًا بضماناتها.”
في الولايات المتحدة، اعتبر مسؤولون سابقون مثل ستيفن ماكنالي أن خطوة زيلينسكي تعكس واقعية السياسة الدولية في مواجهة الحرب الروسية، لكنها تضع ضغوطًا كبيرة على إدارة الرئيس الأميركي لتقديم ضمانات قانونية واضحة ومحددة.
من جهة أخرى، أعرب بعض الجمهوريين عن شكوكهم بشأن قدرة واشنطن على الالتزام الطويل الأمد بهذه الضمانات، خاصة في حال تغير الإدارة الأميركية في المستقبل.
الرد الروسي
أثارت الخطوة ردود فعل إيجابية جزئيًا لدى موسكو، حيث اعتبرت أنها تحقق أحد أهداف الحرب الروسية منذ 2022، وهو منع توسع الناتو نحو الحدود الروسية. وقال مسؤول روسي طلب عدم الكشف عن هويته: “أخيرًا أوكرانيا تتخلى رسميًا عن طموحاتها في الانضمام إلى الحلف،
وهذا يعزز استقرار منطقتنا ويفتح الباب لمفاوضات جدية بشأن وضع دونباس”. ومع ذلك، شددت موسكو على ضرورة أن تظل أوكرانيا دولة محايدة بالكامل، وأن لا تُسمح بتمركز قوات تابعة للناتو على أراضيها.
التحديات الداخلية
على الصعيد الداخلي، يواجه زيلينسكي تحديات كبيرة. الإعلان عن التخلي عن حلم الناتو قد يثير انتقادات من المعارضة الأوكرانية وأجزاء من المجتمع المدني التي ترى في الناتو الضمان الوحيد لحماية سيادة البلاد.
وصرح إيغور كوفالينكو، ناشط سياسي في كييف: “هذا القرار قد يكون عمليًا من الناحية الدبلوماسية، لكنه سيؤدي إلى احتجاجات داخلية، لأن الشعب الأوكراني لطالما رأى في الناتو رمزًا للحرية والأمن”.
كما يمثل الاتفاق المحتمل تهديدًا للهوية الوطنية لأوكرانيا في نظر بعض التيارات السياسية، حيث يشعر بعض المواطنين بأن التنازل عن الحلم الاستراتيجي يضعف موقف البلاد أمام روسيا، خاصة بعد أربع سنوات من الحرب التي أسفرت عن آلاف القتلى والدمار في المدن الأوكرانية.
الوضع العسكري والأمني
من الناحية العسكرية، تؤكد أوكرانيا أن التخلي عن حلم الناتو لا يعني تخفيف القدرات الدفاعية. بل على العكس، فإن خطة الضمانات الأمنية تتضمن تعزيز التعاون العسكري مع الولايات المتحدة وأوروبا،
بما يشمل دعم المعدات والتدريب والأنظمة الدفاعية. وأوضح زيلينسكي أن هذه الضمانات يجب أن تحمي أوكرانيا على غرار المادة الخامسة من معاهدة الناتو، التي تعتبر أي هجوم على أحد الأعضاء هجومًا على الجميع، لكنها تطبق بطريقة ثنائية مع الولايات المتحدة والشركاء الأوروبيين.
يرى محللون أن هذه الخطوة تمثل تحولًا استراتيجيًا كبيرًا في السياسة الأوكرانية، إذ تضطر كييف للتكيف مع الواقع الدولي الراهن، حيث لم تقدم الولايات المتحدة وأوروبا دعمًا كاملًا للعضوية في الناتو.
وقال ميخائيل سوبوليف، خبير في العلاقات الدولية: “زيلينسكي يوازن بين بقاء البلاد حرة وآمنة وبين مطالب القوى الغربية، لكنه يخاطر بإثارة احتجاجات داخلية وفقدان ثقة بعض الحلفاء التقليديين”.
كما يشير المحللون إلى أن التخلي عن الناتو قد يفتح مجالًا لتفاوض أوسع بشأن الحدود والسيطرة على مناطق النزاع في دونباس، دون أن تتنازل أوكرانيا عن أراضيها بشكل كامل.
أبرز التحديات القادمة:
1. تنفيذ الضمانات الأمنية: التأكد من التزام الولايات المتحدة والدول الأوروبية بضمانات واضحة وملزمة قانونيًا.
2. ضمان الاستقرار الداخلي: مواجهة احتجاجات المعارضة والمجتمع المدني بعد التخلي عن حلم الناتو.
3. إعادة الإعمار: التعامل مع الدمار العسكري والاقتصادي الذي خلفته الحرب.
4. الحفاظ على السيادة: التفاوض مع روسيا دون التفريط في الأراضي أو المساحة السياسية.
5. إدارة الضغط الدولي: التعامل مع التوقعات الأوروبية والأميركية والمواقف الروسية المختلفة.
ردود فعل وسائل الإعلام
وسائل الإعلام الغربية وصفت خطوة زيلينسكي بأنها حل وسط جريء، في حين اعتبرتها موسكو انتصارًا دبلوماسيًا.
في الوقت نفسه، حذر محللون سياسيون من أن هذا التحول قد يؤدي إلى مرحلة من عدم اليقين الطويلة في السياسة الأوكرانية، خاصة إذا لم تُنفذ الضمانات الأمنية بشكل فعال.
تمثل خطوة زيلينسكي التخلي عن حلم الناتو لحظة فاصلة في تاريخ أوكرانيا الحديث. فهي تعكس توازنًا صعبًا بين الواقع العسكري والدبلوماسي، وبين الضغوط الدولية والتحديات الداخلية.
وبينما يرى البعض أنها فرصة لإنهاء الحرب ووقف الخسائر البشرية والاقتصادية، يخشى آخرون أن تؤدي إلى حالة من الانقسام الداخلي وعدم الاستقرار السياسي إذا لم تضمن الضمانات الأمنية بشكل ملموس وفعال.
يظل السؤال الأكبر: هل تستطيع أوكرانيا الحفاظ على سيادتها وأمنها على المدى الطويل دون الانضمام إلى الحلف الأطلسي، أم أن هذه الخطوة ستضعها في موقف هش أمام روسيا في المستقبل؟.
الإجابة على هذا السؤال تعتمد بشكل كبير على الالتزام الدولي بتنفيذ الضمانات الأمنية بشكل كامل وفعال.
هل التخلي انتصار لروسيا؟
من منظور الخبراء، لا يمكن القول إن روسيا انتصرت بالكامل رغم التخلي الأوكراني عن حلم الناتو. بعض المحللين يشيرون إلى أن موسكو حققت جزءًا من أهدافها الاستراتيجية،
إذ أجبرت كييف على التفاوض والقبول بضمانات أمنية بديلة عن العضوية في الحلف الأطلسي، وهو ما يمثل مكسبًا دبلوماسيًا جزئيًا.
مع ذلك، يؤكد خبراء آخرون أن روسيا لم تحقق انتصارًا كاملًا، لأن أوكرانيا لم تتنازل عن أراضيها، ولا تزال الدولة تحتفظ بسيادتها، وتستمر الحرب في فرض ضغوط اقتصادية وسياسية على موسكو.
ويشير ميخائيل سوبوليف، خبير العلاقات الدولية، إلى أن “التخلي عن الناتو خطوة روسية جزئية، لكنها لا تعني تسليم أوكرانيا بالكامل، وما زال الطريق إلى تحقيق أهداف موسكو طويلًا ومعقدًا.”
بالتالي، يرى الخبراء أن الوضع يعكس انتصارًا جزئيًا أو مؤقتًا لموسكو على الصعيد الدبلوماسي، لكنه ليس انتصارًا شاملًا على الأرض، وأن التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية لأوكرانيا وروسيا على حد سواء ستستمر في السنوات المقبلة.