حين تُستباح هيبة المسجد الأموي

خالد ديبو يكتب

ليست كل الأماكن سواء، فهناك أماكن تختزن في وجدان الأمة من المعاني ما يجعل التعامل معها مسؤولية تتجاوز حدود السياسة والبروتوكول.

والمسجد الأموي ليس قاعة استقبال، ولا معلمًا أثريًا ولا موقعًا سياحيًا تُصنع فيه الصور التذكارية للوفود الرسمية، وإنما هو أحد أعظم رموز الإسلام في بلاد الشام، مسجدٌ اكتسب عبر قرون طويلة رمزية دينية مقدسة، واحتضن حلقات العلم، وشهد عبادة العلماء والعابدين، وبقي شاهدًا على تاريخ أمة كاملة.

ومن هنا فإن استقبال الرئيس الفرنسي داخل المسجد الأموي، وفتح سجل الزوار له ليكتب فيه كلمته، ليس مشهدًا يمكن اختزاله في إطار المجاملة الدبلوماسية، وإنما هو مشهد يطرح سؤالًا محوريًا : هل ما زلنا ندرك الفرق بين الأماكن العامة وبيوت الله؟ وهل بقي في وعينا معنى حرمة المسجد ومكانته؟
وخاصة مع رئيس ارتبط اسمه في الذاكرة الجمعية للأمة المسلمة بإهانة نبيها عليه أفضل الصلاة والسلام.

إن القضية قضية مبدأ: أن للمسجد وظيفة ورسالة وهيبة لا ينبغي أن تُختزل في مراسم سياسية أو رسائل إعلامية.

فالمسجد في التصور الإسلامي ليس مجرد بناء تاريخي جميل، إنه مكان اصطفاه الله لعبادته، قال تعالى:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.
والرفع هنا ليس فقط برفع الجدران والمآذن، وإنما برفع قدرها في النفوس، وصيانة مكانتها، وحمايتها من أن تتحول إلى مساحاتٍ تُدار بمنطق العلاقات العامة.

إن إقحام الجامع الأموي في هذا الفضاء الدبلوماسي يعكس خللاً في ترتيب الأولويات عند الحكومة السورية إذ يعني التضحية بالثابت (قداسة الرمز وثقافته) من أجل المتغير (المكاسب السياسية اللحظية والتوازنات الدبلوماسية المؤقتة).

إن أخطر ما في هذه المشاهد ليس الحدث نفسه، ولكن الرسالة التي قد تترسخ مع الزمن: أن المقدسات يمكن أن تدخل في حسابات السياسة، وأن الرموز التي كانت فوق التجاذبات يمكن أن تصبح جزءًا من الصورة الإعلامية والمشهد البروتوكولي.

وحين تفقد الأمة حساسيتها تجاه رموزها الكبرى، يبدأ التآكل من الداخل، لأن الأمم لا تسقط فقط حين تُهزم عسكريًا، إنما تسقط حين تفقد قدرتها على تعظيم ما كان عظيمًا في أعينها.

لقد كانت قصور الحكم والفنادق والمؤسسات الرسمية هي الأماكن الطبيعية لاستقبال الوفود السياسية، أما المسجد الأموي فكان ينبغي أن يبقى فوق هذه الحسابات، محفوظًا لرسالته الأولى: بيتًا من بيوت الله، لا منصةً للرسائل السياسية.

إن تحصيل المكاسب الدبلوماسية لا يكون بالتنازل عن خصوصية مقدساتنا، والانفتاح على العالم لا يعني أن نفقد المعايير التي تحفظ هويتنا. فالأمم التي تعرف قيمة رموزها لا تسمح بتحويلها إلى أدوات في مشهد سياسي مؤقت.

المسجد الأموي ليس ملكًا لجيل واحد، ولا لحكومة أو مرحلة سياسية، وإنما هو أمانة في أعناق المسلمين، ومن حق الأجيال القادمة أن ترثه محتفظًا بهيبته، لا مجرد بناء تاريخي تُلتقط فيه الصور وتُكتب فيه العبارات.

فإذا فقدت الأمة تعظيم بيوت الله، فماذا يبقى من معاني التعظيم في قلوبها؟ ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.

اترك تعليقا