حياد تركيا الاستراتيجي في الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران
هاكان يافوز يكتب
- dr-naga
- 14 أبريل، 2026
- رأي وتحليلات
- إيران, الاستراتيجي, الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران, تركيا, حلف الناتو, سياسة الحياد
تمثل الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حالة كاشفة لفهم الطبيعة المتغيرة لسلوك القوى المتوسطة في نظام دولي يزداد اضطرابًا. للوهلة الأولى، قد يبدو موقف تركيا غامضًا أو حتى متناقضًا. فبوصفها عضوًا في حلف الناتو ولديها علاقات طويلة مع الغرب، قد يُتوقع أن تنحاز أنقرة بشكل أوضح إلى واشنطن وإسرائيل. إلا أن الواقع يظهر أن تركيا تجنبت الانخراط المباشر، وانتقدت بعض جوانب الحملة العسكرية، وفي الوقت ذاته حافظت على قنوات اتصال مع جميع الأطراف. هذا التردد الظاهري ليس ناتجًا عن ارتباك أو عدم اتساق، بل يعكس استراتيجية متماسكة وعقلانية يمكن وصفها بـ”الحياد الاستراتيجي المقيد بالقيود”. وتتحدد سياسة تركيا من خلال أربعة عوامل مترابطة: هشاشة اقتصادية حادة، ومخاوف أمنية مرتبطة بعدم الاستقرار الإقليمي، وطموح أوسع نحو الاستقلال الاستراتيجي، وقلق متزايد من احتمال سعي إسرائيل للهيمنة الإقليمية.
أولًا، تمثل الحالة الاقتصادية لتركيا عاملًا مركزيًا في تشكيل سلوكها في السياسة الخارجية. فالبلاد تعاني من اختلالات هيكلية مستمرة، تشمل ارتفاع معدلات التضخم، وتقلبات العملة، والاعتماد على التمويل الخارجي. وقد تفاقمت هذه الهشاشة في السنوات الأخيرة، مما جعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات مقارنة بما كان عليه خلال رئاسة دونالد ترامب. في مثل هذه الظروف، لا يمكن فصل السياسة الخارجية عن إدارة المخاطر الاقتصادية. تدرك قيادة رجب طيب أردوغان أن التوترات الجيوسياسية يمكن أن تتحول بسرعة إلى صدمات مالية. وتبقى أزمة القس الأمريكي أندرو برونسون مثالًا حيًا في الذاكرة؛ إذ ترافقت المواجهة السياسية مع واشنطن—وخاصة إعلان ترامب مضاعفة الرسوم على الصلب والألمنيوم التركي—مع انهيار حاد في قيمة الليرة التي فقدت نحو 60% من قيمتها. وكانت الرسالة واضحة لأنقرة: التوتر مع الولايات المتحدة قد يؤدي إلى عواقب اقتصادية فورية وقاسية.
في سياق الحرب الحالية، تفرض هذه الهشاشة الاقتصادية قيودًا واضحة على هامش الحركة التركي. فلا تستطيع أنقرة استفزاز واشنطن أو المخاطرة بعقوبات ثانوية، كما لا يمكنها تحمل تداعيات اقتصادية لصراع إقليمي طويل. فأسواق الطاقة، ومسارات التجارة، وثقة المستثمرين، جميعها شديدة الحساسية لتطورات الشرق الأوسط. لذلك تعكس السياسة التركية توازنًا دقيقًا يهدف إلى تقليل التعرض للصدمات الخارجية. وهذا يفسر امتناع أنقرة عن اتخاذ خطوات مباشرة ضد الولايات المتحدة، رغم انتقادها لبعض العمليات العسكرية. ومن ثم، فإن الهشاشة الاقتصادية لا تؤثر فقط في السياسة، بل ترسم حدودها الأساسية.
في الوقت نفسه، لا يمكن فهم الموقف التركي من زاوية الاقتصاد فقط. فالعوامل الأمنية تلعب دورًا محوريًا، خاصة فيما يتعلق بمخاطر ضعف أو انهيار إيران. ورغم التنافس الإقليمي بين أنقرة وطهران، فإن تركيا لا ترى في هزيمة إيران أو تفككها نتيجة مرغوبة. بل تخشى من تداعيات ذلك، مثل تفكك الدولة، وتدفقات اللاجئين، وعودة نشاط الجماعات المسلحة غير الدولتية. ومن أبرز المخاوف احتمال تصاعد النشاط الكردي المسلح على حدودها، وهو ملف أمني مزمن.
هذه الحسابات الأمنية تفضي إلى موقف دقيق: تفضل تركيا وجود إيران ضعيفة لكن مستقرة، على إيران منهارة وفوضوية. ومن هنا تنشأ المعضلة؛ فإضعاف إيران قد يقلص نفوذ خصم إقليمي، لكن الإفراط في إضعافها قد يولد فوضى تسعى تركيا لتجنبها. لذلك تدعو أنقرة باستمرار إلى خفض التصعيد، وترفض توسيع نطاق الحرب. موقفها ليس مؤيدًا لإيران بقدر ما هو معادٍ للفوضى. الأولوية هي الحفاظ على توازن إقليمي يمكن التحكم فيه.
ثالثًا، تسعى تركيا إلى تحقيق استقلال استراتيجي. خلال العقد الماضي، اتجهت أنقرة إلى تقديم نفسها كفاعل مستقل بدلًا من كونها تابعًا لأي محور. ويعكس ذلك تحولات بنيوية في النظام الدولي، إلى جانب اعتبارات داخلية. فمع تراجع هيمنة القوى الكبرى، باتت القوى المتوسطة أكثر ميلًا لتنويع علاقاتها وعدم الارتهان لطرف واحد. والانحياز الكامل لأي طرف—سواء الولايات المتحدة أو إيران—قد يقيد مرونة تركيا ويضر بمصالحها طويلة الأمد.
عمليًا، يظهر هذا التوجه في الحفاظ على علاقات وظيفية مع جميع الأطراف. فتركيا تتعاون مع الولايات المتحدة داخل الناتو، وتتعامل مع إيران في ملفات التجارة والأمن، وفي الوقت ذاته تنتقد السياسات الإسرائيلية، مدفوعة باعتبارات أيديولوجية وداخلية. هذه الدبلوماسية متعددة الاتجاهات، رغم ما تحمله من توترات، تمنح أنقرة هامش استقلال في اتخاذ القرار.
رابعًا، يتصاعد قلق تركيا من احتمال الهيمنة الإسرائيلية إقليميًا. فإضعاف إيران—خاصة عبر ضغط عسكري أمريكي–إسرائيلي مستمر—قد يعيد تشكيل ميزان القوى لصالح إسرائيل. وتخشى أنقرة من سيناريو تصبح فيه إسرائيل القوة العسكرية المهيمنة بلا منازع في الشرق الأوسط، قادرة على التأثير في عدة ساحات من سوريا إلى شرق المتوسط.
هذه المخاوف ليست أيديولوجية فقط، بل ترتبط بحسابات جيوسياسية واضحة. فهناك تنافس بين تركيا وإسرائيل في ملفات مثل الطاقة في شرق المتوسط، والنفوذ في سوريا، والقيادة الإقليمية. وإذا حققت إسرائيل نصرًا حاسمًا على إيران، فقد يتقلص عدد مراكز التوازن، مما يحد من قدرة تركيا على المناورة. وقد تجد نفسها أمام إسرائيل أكثر جرأة ومدعومة أمريكيًا.
لذلك تعكس السياسة التركية منطق موازنة ضمني: فهي ترفض التوسع الإيراني، لكنها أيضًا لا ترغب في تفوق إسرائيلي ساحق. الهدف هو الحفاظ على نظام إقليمي متعدد الأقطاب يمنع أي طرف من الهيمنة.
ضمن هذا السياق، تتبنى تركيا ما يمكن تسميته بـ”الحياد النشط”. بخلاف الحياد السلبي، الذي يعني الانكفاء، يقوم الحياد النشط على الانخراط الدبلوماسي دون اصطفاف. فقد عارضت تركيا التصعيد، ودعت إلى وقف إطلاق النار، وامتنعت عن التدخل العسكري، وفي الوقت ذاته حافظت على قنوات اتصال مع واشنطن وطهران. وتسعى من خلال ذلك إلى لعب دور الوسيط وتعزيز مكانتها الدبلوماسية.
تخدم هذه الاستراتيجية عدة أهداف: تقليل مخاطر التورط في الحرب، تعزيز صورة تركيا كقوة مسؤولة، وفتح المجال للعب دور في تشكيل النظام الإقليمي بعد الحرب. وبالتالي، فإن الحياد ليس مجرد موقف دفاعي، بل أداة استراتيجية لتحقيق مكاسب.
ومع ذلك، لا تخلو هذه السياسة من التحديات. فالموازنة بين القوى قد تثير شكوك جميع الأطراف. قد ترى واشنطن في ذلك نقصًا في التضامن، بينما قد تشك إيران في نوايا تركيا، كما قد تؤدي انتقادات أنقرة لإسرائيل إلى تعقيد علاقاتها مع الغرب.
رغم هذه التحديات، يعكس السلوك التركي اتجاهًا أوسع في النظام الدولي، حيث تتراجع التحالفات الصلبة لصالح سياسات مرنة تقوم على الموازنة والانخراط الانتقائي. وسلوك تركيا في هذه الحرب يجسد هذا التحول.
في المحصلة، تمثل السياسة التركية استجابة عقلانية لقيود وفرص بنيوية: هشاشة اقتصادية، مخاوف أمنية، سعي للاستقلال، وقلق من الهيمنة الإسرائيلية. لا تسعى تركيا إلى انتصار طرف بعينه، بل إلى حماية استقرارها، وتجنب الانخراط في الحرب، وتعزيز موقعها، ومنع هيمنة إقليمية.
وبالتالي، فإن هذه الاستراتيجية ليست دليل ضعف أو تردد، بل تعبير عن حسابات دقيقة في بيئة دولية معقدة، حيث تتداخل اعتبارات البقاء والاستقرار والنفوذ.
=================
هاكان يافوز
رئيس قسم العلوم السياسية – جامعة يوتا