إبليس المتكبر
د. مصطفى محمود
- dr-naga
- 14 أبريل، 2026
- رأي وتحليلات
- إبليس المتكبر, د. مصطفى محمود
ولقد كان إبليس فيلسوفًا وعالمًا ومجادلًا، يبهر الملائكة بعقله وعبادته حتى لقبوه طاووس العابدين.
سبعين ألف سنة في العبادة والتأمل والجدل، والملائكة يتحلقون حوله إعجابًا…
لكن الله كان يعلم أن هذا المخلوق المزهو المتكبر، الذي يُحاضر في المعرفة الإلهية، هو أقل خلقه معرفة به.
فالميزان الحقيقي للمعرفة ليس الكلام، بل السلوك عند الأمر والنهي…
حين يتصادم الأمر الإلهي مع الهوى، ويُختبر القلب بالطاعة.
وهنا سقط إبليس.
جاءه أمر الله بالسجود، فثار كبرياؤه واستعلاؤه، ونسي جلال من يأمره، ورأى فقط أنه مأمور بالسجود لبشر من طين!
فقال: «أنا خيرٌ منه، خلقتني من نار وخلقته من طين»…
وجادل ربه كأنه نِدٌّ له.
هنا سقط إبليس مع أجهل الجاهلين.
لم تنفعه فلسفته ولا جدله ولا ألف سنة من العُجب.
إبليس اليوم ليس ذلك الكائن الغيبي فحسب، بل هو العقلانية المزهوة في الإنسان الحديث.
هو التكبر الفكري في الفلسفة الغربية.
هو الإرهاب الأيديولوجي في الفكر المادي.
هو العنصرية عند اليهود، والدم الأزرق في النازية، ووهم الجنس المختار عند البروليتاريا، والسوبرمان عند نيتشه.
كلها صور من إبليس… من الكِبر المغلف بأسماء براقة: العلم، والفكر، والفلسفة.
والحيوان – في بساطته – يعرف عن الحلال والحرام أكثر من هؤلاء.
القطة حين تسرق سمكة تخفيها خلف الباب، تعرف أنها أخطأت!
أما الإنسان “المتحضر” فيقتل ويظلم باسم العقل والتكنولوجيا.
والفلاح البسيط الذي يطوف بالكعبة باكيًا، عنده من معرفة الله أكثر من دكتور في السوربون يدرّس الإلهيات!
وأنا – مصطفى محمود – قد حشوت رأسي بمعارف كثيرة عن الله، لكن لا أشك أن أبي، الفلاح البسيط، عرف الله أكثر مما عرفته أنا…
لأنه كان أبرّ بالطاعة، وأقرب إلى التقوى.
فالمعرفة ليست في الكتب، بل في الخشية والطاعة.
ومن لم يطع ربه فما عرفه، ولو كتب المجلدات وألف النظريات.
لم يقل الله لنبيه ﷺ: إنك لعالم عظيم، بل قال :
«وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ».
فالأنبياء لم يكونوا أنبياء بمعجزاتهم، بل باستقامتهم.
وما أكثر من يصنعون الخوارق اليوم وهم مع الأبالسة!
إن معرفة الله ليست في اللسان ولا في الشهادات،
بل في القلب الخاشع والسلوك المستقيم.
ولهذا قال الله عن الآخرة: «خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ»
لأنها سترفع من كان في الحضيض، وتخفض من ظنناهم في العلياء.
فالعبرة ليست بالألقاب ولا بالجوائز ولا بالأوسمة،
بل بالسلوك… بالطاعة… بالصدق.
العارفون حقًا هم أولئك البسطاء أهل الضمير،
الذين إذا حضروا لم يُعرفوا، وإذا غابوا لم يُفتقدوا،
وإذا ماتوا بكت عليهم السماء والأرض، وشيعتهم الملائكة .
اللهم اجعلنا منهم ،
فإن لم نكن منهم فخدّامهم ،
نسير خلفهم ، طامعين في فتات موائدهم.
من كتاب: @نار تحت الرماد
د. مصطفى محمود
رحمه الله