حريق براكة يثير مخاوف أمن المنشآت النووية
معوتصاعد تهديد المسيّرات للبنية التحتية الخليجية
- السيد التيجاني
- 17 مايو، 2026
- تقارير
- أمن الخلي, الإمارات, الطاقة الذرية, حريقبراكة
أثار الحريق الذي اندلع قرب محطة محطة براكة للطاقة النووية النووية في الإمارات موجة واسعة من التساؤلات الإقليمية والدولية حول أمن المنشآت الحيوية في منطقة الخليج، خاصة في ظل تصاعد التوتر العسكري بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة في الهجمات العابرة للحدود.
وبينما سارعت السلطات الإماراتية والوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى التأكيد بأن مستويات الإشعاع بقيت “ضمن المعدلات الطبيعية”، فإن الحادث أعاد إلى الواجهة نقاشاً أعمق يتعلق بمدى قدرة البنية التحتية الاستراتيجية الخليجية على مواجهة الحروب غير التقليدية.
وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن السلطات الإماراتية أبلغتها بعدم وجود أي تغير في مستويات الإشعاع داخل المحطة، مؤكدة أنها تتابع التطورات “عن كثب” وعلى تواصل مستمر مع الجهات الإماراتية المختصة. وجاء ذلك بعد إعلان مكتب أبوظبي الإعلامي السيطرة على حريق اندلع في مولد كهربائي خارج المحيط الداخلي للمحطة، نتيجة استهداف بطائرة مسيّرة، دون تسجيل إصابات أو تأثير على أنظمة السلامة النووية.
ويرى خبراء أمنيون أن طبيعة الحادث تعكس تحولاً متزايداً في شكل التهديدات التي تواجه المنشآت الحساسة في الشرق الأوسط. ويقول الدكتور عبدالخالق عبدالله إن “الهجمات بالطائرات المسيّرة أصبحت جزءاً من الحروب منخفضة التكلفة وعالية التأثير، إذ يمكن لطائرة صغيرة أن تُحدث صدى سياسياً وإعلامياً يفوق أحياناً حجم الخسائر الفعلية”. وأضاف أن استهداف منشأة مرتبطة بالطاقة النووية “يحمل رسالة نفسية واستراتيجية أكثر من كونه محاولة لإحداث كارثة نووية”.
ويعد مشروع براكة أحد أكبر المشاريع النووية السلمية في العالم العربي، إذ يمثل ركيزة أساسية ضمن استراتيجية الإمارات لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. وتضم المحطة أربعة مفاعلات من طراز APR-1400 الكوري الجنوبي، وتوفر نسبة كبيرة من احتياجات الدولة من الكهرباء النظيفة. وقد أشادت مؤسسات دولية عديدة، بينها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بمعايير السلامة والتشغيل التي تتبعها الإمارات في المشروع.
لكن الحادث الأخير كشف في الوقت نفسه حساسية المنشآت النووية حتى عندما تكون أنظمة الحماية الداخلية سليمة. فالاستهداف لم يقع داخل قلب المحطة، بل في محيط خارجي يتعلق بمولد كهربائي، ما يعني أن الجهات المنفذة ربما أرادت اختبار جاهزية الدفاعات أو إرسال إشارة سياسية دون التسبب بكارثة مباشرة.
ويقول الباحث في شؤون الأمن الإقليمي أندرياس كريغ إن “الطائرات المسيّرة أصبحت السلاح المفضل للجماعات المسلحة والدول المنخرطة في الحروب غير المباشرة، لأنها منخفضة التكلفة وصعبة الرصد أحياناً وقادرة على تجاوز الدفاعات التقليدية”. وأوضح أن المنشآت النفطية والنووية في الخليج أصبحت ضمن “بنك الأهداف الحساسة” في أي تصعيد إقليمي واسع.
ويأتي الحادث في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد المنطقة تصعيداً متسارعاً مرتبطاً بالحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، وهي مواجهة انعكست على الأمن البحري والطاقة والبنية التحتية الحيوية في عدة دول. وخلال السنوات الماضية تعرضت الإمارات بالفعل لهجمات مماثلة بواسطة الصواريخ والطائرات المسيّرة، أبرزها الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية في أبوظبي مطلع عام 2022 وأعلنت جماعة الحوثي مسؤوليتها عنها.
ويرى محللون أن تكرار مثل هذه العمليات يشير إلى تطور واضح في قدرات الفاعلين غير الحكوميين، سواء من حيث مدى الطائرات المسيّرة أو دقتها أو قدرتها على اختراق أنظمة الدفاع الجوي. ويقول الخبير العسكري مايكل نايتس إن “الهجمات على البنية التحتية الحساسة تهدف غالباً إلى خلق ضغط سياسي واقتصادي أكثر من تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة”. وأضاف أن مجرد الاقتراب من منشأة نووية “كافٍ لإثارة القلق العالمي ورفع كلفة المخاطر الاستثمارية”.
في المقابل، سعت السلطات الإماراتية إلى طمأنة الداخل والخارج عبر التأكيد أن أنظمة السلامة الأساسية في محطة براكة لم تتأثر، وأن جميع الوحدات تعمل بشكل طبيعي. كما شددت الهيئة الاتحادية للرقابة النووية على أن الحريق كان محدوداً وخارج نطاق الأنظمة الحيوية للمفاعل.
ويؤكد خبراء الطاقة النووية أن تصميم المحطات الحديثة يتضمن طبقات متعددة من الحماية تجعل احتمال وقوع تسرب إشعاعي واسع أمراً بالغ الصعوبة. ويقول الدكتور محمد العلي إن “المفاعلات الحديثة مصممة لتحمل ظروف قاسية جداً تشمل الهجمات والحوادث والكوارث الطبيعية”، موضحاً أن “أي حادث خارجي لا يعني تلقائياً تهديداً مباشراً للمفاعل النووي نفسه”.
مع ذلك، فإن الحادث أعاد إحياء المخاوف العالمية المرتبطة بأمن المنشآت النووية خلال النزاعات المسلحة، خصوصاً بعد التجارب التي شهدتها مناطق أخرى مثل محطة زابوريجيا النووية في أوكرانيا خلال الحرب الروسية الأوكرانية. فالمجتمع الدولي بات ينظر بقلق متزايد إلى احتمال تحول المنشآت النووية إلى أهداف ضمن الحروب الحديثة، حتى إن لم يكن الهدف إحداث تسرب إشعاعي فعلي.
ويشير خبراء استراتيجيون إلى أن منطقة الخليج تحديداً تواجه معادلة أمنية معقدة بسبب تمركز منشآت الطاقة التقليدية والنووية قرب مسارات الصراع الإقليمي. كما أن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا الرقمية وأنظمة التحكم الذكية يفرض تحديات إضافية تتعلق بالحرب السيبرانية والهجمات الإلكترونية المصاحبة للهجمات الميدانية.
ويقول الباحث المتخصص في الأمن السيبراني جيمس لويس إن “التهديدات الحديثة ضد المنشآت الحيوية لم تعد تقتصر على القصف المباشر، بل تشمل أيضاً الهجمات الإلكترونية والتشويش والتخريب التقني”، محذراً من أن الدمج بين المسيّرات والاختراقات الرقمية قد يمثل التحدي الأكبر مستقبلاً.
سياسياً، يعكس الحادث أيضاً هشاشة البيئة الإقليمية الحالية، حيث باتت دول الخليج تجد نفسها في قلب تداعيات المواجهة الكبرى الدائرة بين القوى الإقليمية والدولية. وعلى الرغم من أن الإمارات تبنت خلال السنوات الأخيرة سياسة تقوم على التهدئة الاقتصادية والانفتاح الإقليمي، فإن استمرار التصعيد العسكري حول إيران يضع المنشآت الاقتصادية والاستراتيجية الخليجية تحت ضغط دائم.
ويرى مراقبون أن الرسالة الأهم في الحادث لا تتعلق بحجم الأضرار، بل بقدرة الفاعلين المسلحين على الوصول إلى أهداف شديدة الحساسية، ولو بشكل محدود. وهذا يعني أن سباق تطوير الدفاعات الجوية وأنظمة مكافحة المسيّرات سيظل أولوية قصوى لدول المنطقة خلال السنوات المقبلة.
وفي النهاية، فإن حادث محطة براكة، رغم محدوديته وعدم تسجيل أي تلوث إشعاعي، يكشف بوضوح كيف أصبحت الحروب الحديثة تعتمد على أدوات قادرة على الجمع بين التأثير العسكري والنفسي والإعلامي في آن واحد. كما يسلط الضوء على أن أمن الطاقة في الخليج لم يعد يرتبط فقط بحماية آبار النفط وخطوط الملاحة، بل أصبح يشمل أيضاً حماية المنشآت النووية والتكنولوجية من تهديدات تتطور بوتيرة أسرع من أنظمة الردع التقليدية.