جونسون يعترف: أطفال بريطانيا دفعوا ثمن كوفيد

في شهادة طال انتظارها

في شهادة طال انتظارها أمام لجنة التحقيق في تعامل بريطانيا مع جائحة كوفيد-19، اعترف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، بوريس جونسون، بأنّ القواعد التي فرضتها حكومته ربما “ذهبت بعيدًا جدًا”، لا سيّما حين تعلّق الأمر بالأطفال.

جونسون، الذي قاد البلاد خلال واحدة من أكثر الأزمات الصحية والاقتصادية تعقيدًا في العصر الحديث، وصف إغلاق المدارس بأنه “فكرة كابوسية” لم يكن يرغب في تنفيذها، لكنه اضطر للقبول بها في النهاية.

الاعتراف، الذي جاء متأخرًا بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على بداية الجائحة، يعيد إلى الواجهة النقاش الدائر حول ما إذا كانت التدابير الوقائية قد حمَت المجتمع على حساب الأضعف فيه الأطفال.

إغلاق المدارس كان كابوسًا

خلال شهادته يوم الثلاثاء 21 أكتوبر 2025، أمام لجنة تحقيق كوفيد، بدا جونسون أكثر حذرًا من المعتاد، وهو يتحدث عن واحدة من أصعب القرارات التي اتخذتها حكومته: إغلاق المدارس.

وصف القرار بأنه كان “كابوسيًا”، وكشف أنه كان لديه “رعب شخصي” من الفكرة، خوفًا من التأثير المدمر على الأطفال، وخاصة أولئك الذين يعيشون في أوضاع صعبة.

لكن، رغم هذا الخوف، وافق جونسون على القرار، تحت ضغط من مستشاري الصحة العامة والخوف من انهيار النظام الصحي. وفي لحظة مفصلية، عرضت لجنة التحقيق على جونسون وثيقة رسمية صادرة عن وزارة التعليم في مارس/آذار 2020، تُحذّر من أن إغلاق المدارس سيحرم قرابة 9 ملايين طالب من التعليم.

ردّه كان صريحًا: “أعتقد أننا ربما ذهبنا بعيدًا جدًا”.

وأضاف: “قواعد الإغلاق كانت معقّدة، خاصة بالنسبة للأطفال، وربما لم تكن مناسبة لفئتهم العمرية”

ثمن باهظ دُفع بصمت”

أقرّ جونسون بأن الشباب دفعوا “ثمنًا باهظًا” لحماية الفئات الأخرى من المجتمع. فرغم أن الأطفال لم يكونوا معرضين بشدة للإصابة الخطيرة بكوفيد-19، إلا أنهم عانوا من آثار جانبية هائلة نتيجة الإغلاق، والتباعد الاجتماعي، وتعليق الامتحانات.

قال جونسون: “كان يمكن أن نعفي الأطفال من بعض قواعد التباعد الاجتماعي. كنا بحاجة إلى مزيد من التفكير حول كيفية دعمهم خلال تلك الفترة”.

وتابع: “نظام الامتحانات خيّب آمال الكثير من الطلاب، ولم يكن منصفًا كما ينبغي”.

هذا التصريح يأتي بعد أشهر من التقارير التي كشفت أن العديد من الطلاب فقدوا فرصًا تعليمية، فيما عانى آخرون من مشاكل صحية نفسية مستمرة، بسبب العزلة والانقطاع عن الحياة المدرسية الطبيعية.

وفي الوقت الذي أعيد فيه فتح المطاعم والمكاتب تدريجيًا، بقيت المدارس آخر ما فُتح بالكامل، وسط احتجاجات من أولياء الأمور وخبراء التربية.

هل يمكن تكرار الخطأ؟

جاءت شهادة جونسون في سياق أوسع من مراجعة القرارات الحكومية التي اتُّخذت خلال الجائحة، وسط تساؤلات متزايدة من الرأي العام حول ما إذا كانت بعض تلك القرارات مفرطة أو غير مدروسة.

لكن اعترافه، رغم أهميته، لم يقدّم بعد خطة واضحة لما يجب فعله لتجنّب تكرار السيناريو.

لم يُوضّح جونسون كيف يمكن أن يكون التعامل مختلفًا في المستقبل، ولا ما إذا كانت حكومته قد قيّمت بدائل واقعية آنذاك.

لكنه شدّد على أهمية “عدم اتخاذ إغلاق المدارس كخيار أول” في حال حدوث وباء مستقبلي، وقال: “ينبغي أن يكون ذلك الملاذ الأخير، بعد استنفاد جميع البدائل الأخرى”.

من جانبها، طالبت منظمات حقوق الطفل والحملات التعليمية بتحقيق حقيقي في حجم الضرر الذي لحق بالأطفال.

وقالت إحدى المؤسسات: “الأطفال كانوا الحلقة الأضعف، وكانوا أول من عانوا، وآخر من حصلوا على الدعم”.

اعتراف لا يكفي

رغم أهمية اعتراف جونسون، لا يبدو أن الكلمات وحدها ستكون كافية لطمأنة جيلٍ كامل من الأطفال الذين تأثر تعليمهم ونموهم النفسي والاجتماعي بسبب قرارات الإغلاق.

صحيح أن الجائحة كانت ظرفًا استثنائيًا، لكن ما كشفته التحقيقات هو أن الأطفال لم يكونوا على رأس أولويات صناع القرار.

الآن، مع مرور الزمن، يجب ألّا تقتصر المحاسبة على تحليل الماضي، بل يجب أن تتجه نحو بناء سياسات وقائية واضحة تحمي الفئات الأكثر هشاشة في المستقبل — وعلى رأسهم الأطفال.

فكما قال أحد الخبراء التربويين: “يمكننا إصلاح الاقتصاد، لكن إعادة ترميم الطفولة المهدورة أصعب بكثير”.