جدل بسبب تعرض مسلمي “أكسوم” الإثيوبية لاعتداءات

تاريخيا تعد أكسوم أرض الهجرة الأولى للمسلمين

أثارت الاعتداءات الأخيرة على مسلمين أثناء تأدية الصلاة في مدينة “أكسوم” التاريخية، الواقعة في إقليم تيغراي شمال إثيوبيا، جدلاً واسعاً في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وبخاصة أن المدينة غالباً ما توصف بـ”مهد الديانتين”، لجهة اعتبارها موطن “تابوت العهد” الذي يعتقد المسيحيون الأرثوذكس الإثيوبيون أنه موجود في كنيسة مريم صهيون بأكسوم، فيما تعد المدينة بالنسبة إلى المسلمين أرض الهجرة الأولى (615م)، إذ استقبل صحابة النبي محمد من لدن ملكها أصحمة النجاشي، الذي وفر لهم ملاذاً آمناً.

وعلى رغم هذه الحقائق التي يعتز بها أصحاب الديانتين (الإسلام والمسيحية) فإن دماء كثيرة – كما يبدو – جرت تحت جسور ذلك التاريخ. إذ شهدت القرون التالية نماذج من الاحتراب الأهلي، الذي تأسس على البعد الديني، بما يتعارض مع صورة تلك المدينة، والتاريخ الذي دفع ببعض المسلمين إلى إعادة التذكير به، وبخاصة بعد وقع الهجوم الأخير الذي شنته مجموعة من الملثمين يستقلون دراجات نارية، يطلق عليهم اسم “إيوايلو” (مثيرو الشغب)، وأصيب فيه بضعة أشخاص من بينهم الإمام الشيخ محمد أول بجروح بالغة، وجرى نقلهم جميعاً إلى أحد مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

كان الأمر سيبدو حادثة معزولة، نفذه متطرفون أو “مثيرو شغب” لولا تدخل كنيسة تيغراي الأرثوذكسية، المعروفة بـ”كستي برهان سلامة”، إذ أصدرت بياناً زعمت فيه عدم وجود مسجد مصرح به رسمياً في مدينة أكسوم، بالتالي فإن الادعاء بأن الهجوم استهدف مصلين في مسجد “عار عن الصحة”، مشيرة إلى أن التقارير الواردة عن الأضرار التي وقعت وسط المصلين “ملفقة”.

ولم تدن الكنيسة الهجوم، في حين أعلن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في تيغراي إدانته للاعتداءات التي استهدفت المصلين، مؤكداً أنها أتت كنتيجة منطقية لخطاب الكراهية الذي أضحى متجذراً بصورة ملحوظة في مدينة أكسوم.

لم يكن هذا الاعتداء، هو بداية الحكاية، بل سبقته أحداث عدة عبر التاريخ استهدفت المسلمين من أبناء مدينة أكسوم، إذ تشير المصادر التاريخية إلى أن الملوك الإثيوبيين قد عملوا على تحويل أكسوم من قلعة التسامح إلى مدينة أحادية المعتقد، متناسين دورها في نصرة الإسلام ورمزيتها التاريخية المتعلقة بالتعايش السلمي بين أتباع الديانتين بصورة متساوية.

إذ نقل عن الإمبراطور تيودروس الثاني (1818/1868) قوله، “إذا أردت أن تحكم بلادك بسلام، فاحكم الجميع على دين واحد”، ومن ثم فإن البلاد منذ ذلك العهد أثرت في إقصاء إحدى الديانتين.

في حين بدأ الإمبراطور يوهانس الرابع (1831/ 1889) والذي ينحدر من تيغراي، بتطبيق وصية سلفه تيودروس، من خلال إصدار فرمان بتعميد المسلمين قسراً بتيغراي في عام 1879، ومهد لذلك من خلال عزل الزعيم الديني للمسلمين في عادي جيتيا، وهي قرية قرب أكسوم، معلناً أن “من يرفضون اعتناق المسيحية في ’المدينة المقدسة‘ سيعاملون كأعداء”، كذلك أمر بحرق الكتب الإسلامية وكل ما يتصل بالتاريخ الإسلامي في أكسوم، مما دفع أعداداً كبيرة من مسلمي أكسوم لاعتناق المسيحية قسراً، أو النزوح نحو مناطق أخرى من بينها إريتريا.

وفي عهد الإمبراطور هيلي سلاسي، لم يختلف الأمر كثيراً على رغم انفتاح العالم والمحيط المجاور لإثيوبيا، نحو التسامح تجاه الأديان. إذ تذكر المصادر التاريخية أن عهد سلاسي وإن بدا أقل استهدافاً للمسلمين الإثيوبيين بصورة خاصة قياساً بالعهود السابقة، فإن الوضع في أكسوم ظل يراوح مكانه.

إذ يذكر كتاب (Yetewled Adera) ويعني “تراث الأجيال”، أن الأعيان المسلمين في أكسوم تقدموا بطلب للحصول على إذن ببناء مسجد داخل المدينة، لحاكم تيغراي حينها الراس منغشا سيوم، فأجابهم بالقول إن أكسوم هي بمثابة سفينة صهيون المقدسة بالنسبة إلى المسيحيين، مضيفاً مثلما هناك مدن مغلقة أمام المسيحيين، كذلك أكسوم، صهيون، مغلقة أمام أتباع الديانات الأخرى. واقترح حلاً وسطاً ببناء المسجد في وقره، على بعد 25-30 كيلومتراً خارج المدينة. ولأن الشيوخ رفضوا المقترح، رفع الأمر إلى الإمبراطور هيلا سيلاسي، الذي حكم بالقول “لقد أعطاكم منغشا ما لم يكن حق لكم فيه”، معلناً بذلك قرار حرمة بناء مسجد في المدينة التي كانت الملاذ الأول للمسلمين الأوائل.

ومنذ ذلك العهد، لم يعد لمسلمي أكسوم الحق في بناء مسجد داخل المدينة، أيضاً لا يسمح لهم بدفن موتاهم داخل المدينة، باعتبار ذلك تدنيساً للمدينة المقدسة بالنسبة لمسيحيي إثيوبيا، وموضع تابوت العهد.

بل تروي مصادر أخرى أن المزارعين والتجار المسلمين في أكسوم كانوا ملزمين بدفع خمس محاصيلهم أو أرباحهم لصيانة كنيسة مريم صهيون، باعتبار ذلك جزءاً من ضريبة مستحقة لدعم البنية التحتية للدين الرسمي.

وبحسب مقالة لمحمد أول حقوص (محاضر في جامعة ويرابي)، فإن الاحتلال الإيطالي (1936-1941) كان أصدر قراراً يسمح للمسلمين ببناء مسجد في المدينة، مما يثبت أن حرمان المسلمين من حقوقهم كان خياراً سياسياً. وبمجرد خروج الإيطاليين، مول الإمبراطور هيلا سيلاسي ترميم كنيسة مريم العذراء، لكنه رفض بناء مسجد.

ويوثق حقوص أن عهد الكولونيل منجستو هيلي ماريام بدا أكثر تفهماً لمسلمي أكسوم، إذ تعد تلك الفترة الأولى التي يمتلك فيها المسلمون أراضي سكنية داخل مدينة أكسوم، عرف بمشروع “فيري أبيوت” (ثمرة الثورة).

لكن ظل هاجس بناء المساجد داخل المدينة قائماً من دون تحرك رسمي حتى بعد سقوط نظام الكولونيل، ووصول “جبهة تحرير تيغراي” لسدة الحكم في إثيوبيا.

مطالب دستورية ولكن
كرس دستور إثيوبيا لعام 1995 الحرية الدينية، إذ تنص المادة 11 على أنه “لا دين رسمياً للدولة”. وتضمن المادة 27 حرية العبادة وممارسة الشعائر. ومع ذلك، لم تتحقق هذه الضمانات في أكسوم.

ففيما نجح المسلمون في إعادة بناء مسجد دورا التاريخي، فإنه تعرض للهدم في سبتمبر (أيلول) 2004، تحت قيادة وتغطية قوات الأمن المحلية. ونهبت جميع المواد والممتلكات الدينية الموجودة بداخله. وكان الدافع المعلن للمهاجمين “لا نريد أن نرى مسجداً حول أكسوم”.

وعرقلت السلطات المحلية كل المحاولات الهادفة لإعادة بناء المسجد، بحجة أن “ذلك يعد تدنيساً لقدسية المدينة المسيحية”.

وعلى رغم أن رئيس الإقليم آنذاك تسغاي برهي أصدر قرارات إدارية تؤكد أحقية إعادة بناء المسجد، بشرط عدم اشتماله على مئذنة، ونصت رسالته إلى المجلس الإسلامي بمساهمة إدارة الإقليم في ضمان أعمال التشييد، فإن القرار لم يطبق على أرض الواقع على رغم مرور أكثر من عقدين على اتخاذه.

حظر الحجاب زيت على نار
لم يقتصر التضييق في المدينة التاريخية على مشروع بناء المساجد، إذ كان هناك تصعيد في عام 2024 إثر حظر الحجاب في أربع مدارس بأكسوم. فوفقاً لمركز أبحاث حقوق الإنسان، حظرت أربع مدارس من بين 15 مدرسة الحجاب في أكسوم.

هذا القرار دفع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في تيغراي لرفع الأمر إلى مؤسسات القضاء. وخلال الـ14 من يناير (كانون الثاني) 2025، أصدرت محكمة مقاطعة أكسوم أمراً قضائياً ضد الحظر، محذرة من “انتهاكات لا رجعة فيها للحقوق”.

لكن خلال الـ27 من فبراير (شباط) 2025، أغلقت المحكمة القضية بصورة مفاجئة، وجرى عزل القاضي الذي أصدر قرار الحظر واستبداله بقاضٍ جديدٍ، قضى بأن المحكمة “لا تملك صلاحية” للنظر في الأمر، وهو ما دفع ست منظمات مجتمع مدني إلى إصدار بيان مشترك يدين التدخلات الحكومية في عمل المؤسسات القضائية، ودعا إلى ضرورة الفصل بين السلطات واحترام الأحكام الدستورية المتعلقة بحماية الحريات الدينية وضمان إقامة الشعائر لكل الديانات بصورة متساوية، في حين التزمت السلطات الرسمية الصمت تجاه المسألة.

عودة على بدء
وبالعودة إلى الأحداث الأخيرة، يرى مراقبون أن الهجوم على مصلين، وإن بدا تطوراً نوعياً في عمليات الاستهداف في أكسوم التي تعد قلعة تاريخية للتعايش السلمي بين الديانات ومقصداً سياحياً يقصده المهتمون بتاريخ الأديان، فإن ذلك الاعتداء ليس سوى حلقة من سلسلة طويلة من التضييق وانتشار خطاب الكراهية. وينوه بعضٌ إلى ضرورة تدخل الدولة بصورة حاسمة لإعادة المدينة إلى تاريخها المشرق.

وقد تحركت بعض الجهات الحقوقية والسياسية لإدانة الهجوم والدعوة إلى اتخاذ تدابير حازمة للحيلولة دون تطور الأمر نحو اقتتال داخلي، إذ دعت مؤسسة “بدر” الدولية إلى إجراء تحقيق فوري في الحادثة وضمان عدم إفلات المتسببين من العقاب، كذلك دان حزب “استقلال تيغراي” (وهو حزب معارض) الاعتداء الذي وصفه بـ”الآثم”، موجهاً أصابع الاتهام إلى فصيل من “جبهة تحرير شعب تيغراي” بالضلوع في محاولة التغطية على الجريمة.

تضليل ممنهج
بدوره، يرى محمد أول حقوص أن ثمة تضليلاً ممنهجاً يجري اعتماده منذ أكثر من قرن من الزمان حول قدسية المدينة واختزالها لأصحاب ديانة واحدة.

ولفت إلى أن كل الحجج المقدمة حول هذا الأمر تتناقض مع المبادئ الدستورية الأساس، إذ لا يعترف الدستور الإثيوبي بأي “مدينة مقدسة” تتجاوز الضمانات الدستورية لحرية الدين.

وأضاف “أكسوم ليست صهيون، بل هي مدينة تضم كنيسة مريم صهيون إلى جانب معالم حضارية إسلامية، والتمييز بين الموقع الديني والمدينة الدينية أمر بالغ الأهمية”.

ويوضح أن “ثمة ضرورة لدحض المزاعم التي أضحت تبدو منطقية نتيجة الصمت العام، وإعادة تدويرها بطريقة آلية”، وذلك أن المطالبين ببناء المسجد هم مواطنون إثيوبيون. إضافة إلى أن أكسوم تخضع للدستور الإثيوبي العلماني، وليست وقفاً تابعاً للكنيسة. وأعلن أن الحقوق الدستورية ليست أوراق مساومة.

أيضاً يرى حقوص أن الهجرة الأولى لم تكن صفقة تجارية، بل تواصلاً دينياً وحضارياً حمى خلاله الملك النجاشي المسلمين لأن حكمه كان قائماً على العدل، منوهاً بأن الحجج كافة التي تعتمد عليها سياسات التضييق تتعامل مع مسلمي أكسوم كضيوف يتعين عليهم التفاوض على حقوق يتمتع بها المسيحيون بحكم أنهم مواطنون.

وأكد أن الاتجاه القائم يتجاهل البعد الحضاري والتاريخي للمدينة، مستغرباً هذا الإجراء من دولة طالما تفاخرت باستضافة المسلمين وحمايتهم، كونها مهد الديانات السماوية في القارة السمراء.

وذكر أن الحجة التي تقول إن أجدادنا ورثونا عهداً “لا تنقصوا من هذا الدين الواحد ولا تزيدوا عليه”، تتجاهل حقيقة أن أسلاف أكسوم هم أول من رحبوا بالمسلمين وحموهم.

مسارات الحل
ويرى الأكاديمي الإثيوبي أن ثمة إشكالية في التعاطي مع قضايا المسلمين في أكسوم، مشيراً إلى أن النزاع استمر لقرون لأن كلا الطرفين صوره على أنه صراع محصلته صفرية، ومنطق “إما أن تحتفظ الكنيسة باحتكارها أو أن المسجد يلوث المدينة تصور خاطئ. وأن ثمة حلاً عملياً ملموساً يتمثل في الفصل الإداري لأكسوم إلى منطقتين”.

وتشكل الأولى المنطقة المحيطة مباشرة بكنيسة مريم صهيون واعتبارها كمحمية دينية، تدار من قبل الكنيسة، ولا يُبنى داخلها أي مسجد، بما يحترم التبجيل العميق الذي يكنه المسيحيون الأرثوذكس لهذا الموقع المقدس.

والمنطقة الثانية يمكن اعتبارها الدائرة العلمانية التي تخضع لأحكام الدستور الإثيوبي، ويسمح فيها بحرية الاعتقاد على نحو كامل، بما في ذلك حق المسلمين في بناء المساجد وإنشاء المقابر وارتداء الحجاب في المدارس وممارسة شعائرهم الدينية بحرية.

ويرى حقوص أن أمام الحكومة الفيدرالية مسؤولية إجراء تحقيق شامل ودقيق في الهجمات الأخيرة، وضمان المساءلة وإصدار توجيهات واضحة تفعل الضمانات الدستورية.

فيما تتحمل الحكومة الموقتة في تيغراي مسؤولية إنفاذ الأحكام القضائية والسماح للطالبات المسلمات بالعودة إلى المدارس مرتديات الحجاب، وبذل الجهود لحل مسألة المسجد. من المهم أيضاً زيادة تمثيل المسلمين في الحكومة المحلية.

ويضيف أن على إدارة مدينة أكسوم إطلاق مبادرات رسمية وشعبية للحوار بين الأديان وتعزيز الأمن في فعاليات المجتمع المدني. وتقع على عاتق الزعماء الدينيين مسؤولية التحدث بأسلوب يعزز المصالحة لا التحريض، وإدانة الآراء المتطرفة علناً من كل الأطراف حتى تستعيد البلاد الرمزية التاريخية لأكسوم كقلعة وحصن للتعايش.

وأوضح أن أكسوم في هذه اللحظة تقف عند مفترق طرق، أحد المسارين يؤدي إلى استمرار الإقصاء ورؤية مزيد من الدماء والفتيات المحرومات من التعليم، ليصبح إرث أكسوم كمنارة للتسامح الديني مفارقة مرة.

أما المسار الآخر فيستند إلى إرث أكسوم الحقيقي، إرث الملك الذي رحب بالمهاجرين وضمِن أمنهم، حين حمى ملك مسيحي المسلمين لا بدافع الواجب بل من منطلق العدل. وأيضاً إرث دير سلطان، حيث حمى الحكام المسلمون المسيحيين الإثيوبيين لقرون.

*المصدر: إندبندنت عربي