تقرير منصف للمسلمين على التليفزيون الياباني
د محمد سيد علي حسن
- dr-naga
- 29 يونيو، 2026
- مقالات وتحليلات
- التليفزيون الياباني, المسلمين, المعلومات المضللة, خطاب الكراهية, د محمد سيد علي حسن, مواقع التواصل الاجتماعي
عرضت هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية NHK تقريراً إعلامياً مساء يوم السبت، أنصف المسلمين فيما يتعلق باتهامات مضللة على مواقع التواصل الاجتماعي بأنهم وراء حوادث الحرائق التي طالت المعابد وحظائر الخنازير في الأشهر الأخيرة.
وأورد التقرير أن اليابان شهدت خلال الأشهر الأخيرة موجة واسعة من المعلومات المضللة وخطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي، عقب وقوع عدد من الحرائق في مزارع لتربية الخنازير ومعابد وأضرحة دينية.
التحقيق المطول الذي أجرته هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية NHK ، ركز على كيفية انتشار هذه الادعاءات، وتأثيرها على الأجانب والمسلمين المقيمين في اليابان، إضافة إلى الخلفيات الاجتماعية والإعلامية التي ساهمت في تضخيمها.
بدأت القصة بعد اندلاع حريق كبير في 17 أبريل 2026 في مزرعة خنازير بمدينة كاوانامي في محافظة ميازاكي، أسفر عن نفوق نحو 5700 خنزير. ومنذ اللحظات الأولى للحادث، وقبل صدور أي نتائج رسمية بشأن أسبابه، انتشرت على منصات مثل تويتر واليوتيوب وغيرها منشورات تزعم أن “مسلمين قاموا بإحراق المزرعة عمداً”. واستندت هذه الادعاءات فقط إلى حقيقة أن الإسلام يحرم أكل لحم الخنزير، دون أي دليل يربط المسلمين أو الأجانب بالحريق.
وعقب اتصالات حدثت من قبل التلفزيون الياباني مع الشرطة والسلطات المحلية ، أكدت السلطات أن الحريق “ليس حادثة جنائية” وأنه لا توجد أي مؤشرات على وجود عملية حرق متعمد. إلا أن هذه التصريحات الرسمية لم تمنع استمرار انتشار الادعاءات، بل توسعت لتشمل حرائق أخرى وقعت في مزارع خنازير بمناطق مختلفة من اليابان.
ومن بين أكثر المنشورات تداولاً، قوائم جرى تداولها على نطاق واسع تضم حرائق مزارع خنازير منذ عام 2023، مع إيحاءات بأن هذه الحوادث جزء من “سلسلة هجمات متعمدة”. بعض هذه المنشورات تجاوزت مشاهداتها 2.5 مليون مشاهدة.
إلا أن تحقيق تليفزيون NHK الرسمي مع أجهزة الإطفاء والشرطة في مختلف المحافظات كشف صورة مختلفة تماماً. فمعظم الحرائق التي أمكن تحديد أسبابها كانت ناجمة عن أعطال في أجهزة التدفئة أو المراوح أو لوحات التحكم الكهربائية، بينما بقيت بعض الحالات “مجهولة السبب” فقط بسبب شدة الأضرار التي جعلت تحديد نقطة البداية مستحيلاً.
وحتى الآن، لم يتم تسجيل أي حالة على أنها “حريق متعمد” أو حتى “مشتبه بأنها حريق متعمد”.
وأوضح أصحاب مزارع الخنازير أنفسهم أن هذه المنشآت معرضة بطبيعتها لخطر الحرائق. فالخنازير حساسة للبرد، لذلك يستخدم أصحاب المزارع أجهزة تدفئة قوية تعمل لساعات طويلة، كما تحتوي الحظائر على مواد عازلة قابلة للاشتعال تساعد على انتشار النار بسرعة كبيرة. وأشار أحد أصحاب المزارع في محافظة آيتشي، الذي فقد حوالي 2000 خنزير في حريق وقع في فبراير 2026، إلى أن سبب الحريق كان عطلاً في محرك مروحة داخل غرفة الكهرباء، ما أدى إلى اشتعال الأسلاك وانتشار النار خلال وقت قصير في كامل المزرعة.
وقال المزارع للتليفزيون الرسمي أنه لم يخطر بباله إطلاقاً أن يكون للمسلمين علاقة بهذه الحرائق، مؤكداً أن “حرائق مزارع الخنازير تقع كل عام بسبب طبيعة المنشآت والمعدات المستخدمة فيها”.
كما امتدت الشائعات إلى المعابد والأضرحة اليابانية. ففي مايو 2026 اندلع حريق في مبنى تابع لمعبد “دايشوين” في جزيرة مياجيما الشهيرة بمحافظة هيروشيما. ويعرف المبنى بأنه يحتفظ منذ أكثر من 1200 عام بـ”النار المقدسة” المرتبطة بالكاهن البوذي الشهير كوبو دايشي. وبعد الحريق مباشرة، بدأت منشورات على وسائل التواصل تزعم أن “مسلمين متطرفين” أو “أجانب” يقفون وراء الحادث.
لكن المعبد أوضح أن رجال الإطفاء والشرطة لم يعثروا على أي آثار تشير إلى عمل إجرامي أو حريق متعمد. كما أن الرهبان الذين كانوا يتناوبون على مراقبة المبنى لم يلاحظوا أي سلوك مريب من الزوار الموجودين قرب المكان وقت الحادث.
وأعرب المشرف الرئيسي بالمعبد عن استيائه من الانتشار السريع للاتهامات غير المستندة إلى أدلة، مطالباً الجميع بعدم نشر الإشاعات أو الخطاب التمييزي.
كما قال سكان محليون في جزيرة مياجيما إنهم يتعاملون يومياً مع زوار أجانب “ولم يواجهوا مشاكل معهم”، مؤكدين أن إطلاق الاتهامات دون أدلة أمر غير عادل.
وأظهرت بيانات وكالة الإطفاء اليابانية أن عدد حرائق المعابد والأضرحة يتراوح سنوياً بين 40 و60 حادثة، وأن عام 2026 لم يشهد أي ارتفاع استثنائي مقارنة بالأعوام السابقة.
في المقابل، كشف تحليل أجرته هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية أن حجم انتشار المعلومات المضللة بلغ مستوى غير مسبوق. فقد درست الهيئة 200 منشور على منصة X تجاوزت مشاهداتها 10 آلاف مشاهدة، وتبين أن مجموع مشاهداتها تخطى 83 مليون مرة. واحتوى نحو 70% من هذه المنشورات على معلومات كاذبة أو ادعاءات لا تستند إلى أي دليل، مثل القول إن “الأمر واضح أنه حريق متعمد” أو “المسلمين وراء هذه الحرائق”.
كما أظهر التحليل أن حوالي 30 حساباً فقط كانوا المصدر الأساسي لهذا المحتوى، وأن كثيراً من هذه الحسابات اعتادت نشر محتويات معادية للأجانب بشكل مستمر. ومن بين الناشرين مؤثرون يملكون أعداداً كبيرة من المتابعين وسياسيون وحسابات تسعى لتحقيق أرباح من خلال المحتوى المثير للجدل.
وفي مقابلة مع أحد الأشخاص المرتبطين بحسابات “تجميع المحتوى ” التي تعيد نشر هذه الأخبار، أوضح أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم بشكل واسع لصياغة المنشورات المثيرة وجمع المعلومات من التعليقات والمنشورات الأخرى. وأضاف أن الحرائق تحديداً تجذب اهتمام الجمهور لأنها تثير مشاعر الغموض والخوف، ما يزيد من عدد المشاهدات والتفاعل وبالتالي الأرباح.
كما وجدت NHK حوالي 170 مقطع فيديو على يوتيوب تتناول هذه الحرائق بطريقة توحي بضلوع الأجانب أو المسلمين فيها، وقد تجاوز مجموع مشاهداتها 8 ملايين مشاهدة. وبرر بعض أصحاب القنوات ذلك بأنهم “ينقلون المخاوف المتداولة اجتماعياً”، نافين نيتهم نشر الكراهية أو التحريض.
ويرى خبراء علم الاجتماع أن هذه الظاهرة مرتبطة بالصورة السلبية التي ارتبطت بالإسلام في أذهان كثير من اليابانيين منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر وصعود تنظيم “داعش”، إضافة إلى قلة الاحتكاك المباشر بالمسلمين داخل المجتمع الياباني. ويقول البروفيسور شونسوكي تانابي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة واسيدا، أن المسلمين يتم استخدامهم أحياناً كـ”رمز سهل للاستثارة والخوف”، لأن بعض الناس يربطون التدين الإسلامي بالتطرف والخطر.
وحذر تانابي من أن تكرار هذه الرسائل على الإنترنت يجعلها تبدو وكأنها تمثل رأي الأغلبية، حتى لو كانت صادرة عن أقلية صغيرة جداً. وأشار إلى أن هذه البيئة الرقمية قد تؤدي إلى تطبيع الخطاب العنصري وجعله يبدو “أمراً طبيعياً”.
وتناول التقرير المطول تداعيات تلك الشائعات على الأجانب المقيمين في اليابان، فهذه الموجة من الكراهية لم تتوقف عند الفضاء الافتراضي فقط، بل أثرت نفسياً واجتماعياً على الأجانب المقيمين في اليابان، وخاصة المسلمين.
وتحدث التقرير عن رجل إندونيسي يعمل في اليابان كمقدم رعاية صحية ضمن اتفاقية الشراكة الاقتصادية بين اليابان وإندونيسيا. وكان قد نشر صورة عائلية خلال حفل التحاق ابنه بالمدرسة مع تعليق بسيط يقول إنه “شعر بالتأثر والسعادة”، لكنه فوجئ بعشرات التعليقات العنصرية مثل: “اخرجوا من اليابان”، و”هل تريدون السيطرة على اليابان؟”، بينما أطلق عليه أخرون “الغزو الناعم على غرار توسّع المسلمين في أوروبا “.
حتى زوجته التي ترتدي الحجاب في الصورة، لم تسلم من تعليقات تطالبها بخلع الحجاب والخروج من اليابان. وقال الرجل إنه بدأ يشعر بالقلق على سلامة زوجته عندما تخرج وحدها، وإنه يخشى أن تتحول الكراهية الإلكترونية إلى اعتداءات حقيقية في الشارع.
كما روت طالبة مسلمة تدرس الدراسات العليا في غرب اليابان أنها تعرضت لتعليقات مشابهة عندما نشرت صورة لها بالحجاب والزي الياباني التقليدي في حفل التخرج، حيث طُلب منها “العودة إلى بلدها”، ووصف وجودها بأنه “مزعج”.
وكشف تحليل NHK أن نحو 1200 تعليق تمييزي كُتب بواسطة 870 حساباً مختلفاً على منصة ثريدز، وبعض الحسابات كررت التعليقات العنصرية عشرات المرات. وعلى الرغم من أن شركة “ميتا” المالكة للمنصة تحظر رسمياً خطاب الكراهية والتمييز على أساس العرق أو الدين أو الجنسية، فإن معظم هذه التعليقات بقيت منشورة حتى بعد الإبلاغ عنها.
وفي ختام التحقيق، دعا الخبراء إلى التعامل بحذر مع المعلومات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وعدم الانجرار وراء المنشورات التي تركز على الاختلافات الدينية أو الثقافية لإثارة الخوف والكراهية. كما شددوا على أهمية الاطلاع على مصادر إعلامية متعددة، وعدم الاكتفاء بالمحتوى الذي تعززه خوارزميات المنصات الاجتماعية.
أما المسلمون والأجانب الذين تحدثوا إلى NHK، فأكدوا أنهم يحترمون القوانين والعادات اليابانية ويرغبون في التعايش السلمي مع المجتمع الياباني. وقال أحدهم: “إذا أخطأنا فقوموا بتصحيحنا، وإذا أردتم معرفة شيء عن الإسلام فاسألونا. نحن بشر مثلكم، ونريد أن نبني علاقات جيدة مع الجميع”.
* منقول من صفحة المرشد السياحي Mahi Guide المقيم فى اليابان
