كيف يكشف العلم أسرار بركان بوبوكاتيبيتل المكسيكي؟

باحثون استخدموا الذكاء الاصطناعي لفهم البنية الداخلية للبركان

يقف بركان بوبوكاتيبيتل، أو كما يطلق عليه المكسيكيون اختصارًا “إل بوبو”، شامخًا في قلب المكسيك، على مسافة لا تتجاوز 70 كيلومترًا من العاصمة مكسيكو سيتي. وعلى الرغم من منظره المهيب الذي يوحي بالثبات، فإن هذا البركان يُعد واحدًا من أخطر البراكين النشطة في العالم، ليس فقط بسبب نشاطه المستمر، بل بسبب عدد البشر الذين يعيشون في نطاق تأثيره المباشر، والذين يُقدَّر عددهم بنحو 25 مليون شخص.

في السنوات الأخيرة، عاد البركان إلى واجهة الاهتمام العالمي، لكن ليس فقط بسبب أعمدته المتكررة من الرماد والدخان، بل نتيجة مشروع علمي غير مسبوق قادته فرق بحثية مكسيكية بدعم دولي، ونقلت تفاصيله وكالة أسوشيتد برس (AP News)، حيث تمكن العلماء للمرة الأولى من رسم صورة ثلاثية الأبعاد لما يحدث في أعماق البركان.

يقع بركان بوبوكاتيبيتل بين ولايات بويبلا، موريلوس، والمكسيك، ويُعد ثاني أعلى قمة في البلاد بارتفاع يزيد عن 5,400 متر فوق سطح البحر. هذا الموقع الجغرافي جعله على مدار التاريخ مصدر خصوبة زراعية، لكنه في الوقت نفسه مصدر تهديد دائم.

البركان نشط منذ آلاف السنين، إلا أن نشاطه ازداد بشكل ملحوظ منذ عام 1994، عندما عاد إلى الثوران بعد فترة هدوء طويلة. ومنذ ذلك الحين، لم يدخل في حالة سبات حقيقية، بل ظل يطلق الرماد والغازات البركانية بشكل متقطع، ما دفع السلطات المكسيكية إلى إبقاءه تحت مراقبة مستمرة على مدار الساعة.

لماذا بوبوكاتيبيتل مختلف عن غيره؟

ليست كل البراكين متساوية في درجة الخطورة. ما يجعل بوبوكاتيبيتل بالغ الخطورة هو تركيبته الداخلية المعقدة، وطبيعة الصهارة بداخله، والتي تميل إلى أن تكون لزجة وغنية بالغازات، ما يزيد من احتمالات الانفجارات العنيفة.

قبل المشروع العلمي الأخير، كان العلماء يعتمدون على بيانات زلزالية تقليدية ونماذج نظرية لتقدير ما يحدث داخل البركان. لكن هذه الطرق لم تكن كافية للإجابة عن سؤال محوري:

أين تتجمع الصهارة بالضبط؟ وكيف تتحرك قبل الانفجار؟

مغامرة علمية داخل البركان

وفقًا لتقرير AP News، قرر فريق من العلماء من الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك (UNAM) خوض تجربة جريئة: الدخول إلى فوهة البركان نفسه، في ظروف مناخية قاسية، وعلى ارتفاعات شاهقة، حيث يقل الأكسجين وتزداد المخاطر.

قام الباحثون بإنزال أجهزة استشعار متطورة داخل الفوهة، مستخدمين معدات خاصة للحماية من الغازات السامة والانهيارات الصخرية. هذه الأجهزة لم تكن مجرد مقاييس حرارة أو ضغط، بل مستشعرات زلزالية عالية الدقة قادرة على تسجيل أدق الاهتزازات تحت سطح الأرض.

الطفرة الحقيقية في هذا المشروع لم تكن فقط في جمع البيانات، بل في طريقة تحليلها. فبحسب AP، استخدم العلماء تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لمعالجة ملايين الإشارات الزلزالية التي يصدرها البركان يوميًا.

هذه الخوارزميات سمحت للعلماء بـ:

  • التمييز بين الاهتزازات الناتجة عن حركة الصهارة

  • وتلك الناتجة عن انهيارات صخرية أو نشاط غازي

  • ورسم خريطة ثلاثية الأبعاد لما يشبه “شبكة شرايين” داخل البركان

والنتيجة كانت مذهلة: أول نموذج ثلاثي الأبعاد دقيق لباطن بوبوكاتيبيتل.

أظهرت النتائج أن البركان لا يعتمد على غرفة صهارة واحدة كما كان يُعتقد سابقًا، بل على نظام معقد من الجيوب والقنوات الممتدة على أعماق مختلفة.

هذا الاكتشاف يعني أن:

  • الصهارة قد تتحرك ببطء بين هذه الجيوب

  • الضغط قد يتراكم في نقاط غير متوقعة

  • بعض الثورانات قد تكون مفاجئة حتى مع غياب مؤشرات تقليدية قوية

وهو ما يفسر لماذا شهد البركان في بعض الأحيان انفجارات مفاجئة رغم عدم وجود إنذارات واضحة مسبقًا.

تكمن خطورة بوبوكاتيبيتل الحقيقية في محيطه البشري. فإلى جانب مكسيكو سيتي، تقع عشرات المدن والقرى في نطاق سقوط الرماد البركاني، الذي قد يؤدي إلى:

  • تعطيل الطيران

  • تلوث مصادر المياه

  • أضرار جسيمة بالجهاز التنفسي

  • انهيار أسقف المباني بسبب تراكم الرماد

وفي أسوأ السيناريوهات، قد يؤدي ثوران كبير إلى تدفقات طينية (لاهار) سريعة قادرة على اجتياح مناطق كاملة خلال دقائق.

بحسب ما نقلته AP News عن العلماء المشاركين في المشروع، فإن القيمة الكبرى لهذه الدراسة تكمن في تحسين أنظمة الإنذار المبكر.

فبدلًا من الاعتماد على مؤشرات عامة، يمكن الآن:

  • رصد تحركات الصهارة بدقة أكبر

  • تحديد المناطق الأكثر عرضة للضغط الداخلي

  • التنبؤ بنمط الثوران المحتمل (هادئ أم انفجاري)

وهذا قد يمنح السلطات وقتًا إضافيًا ثمينًا لإجلاء السكان أو اتخاذ إجراءات وقائية.

ورغم هذا التقدم، يعترف العلماء بأن التنبؤ الدقيق بالثورانات البركانية لا يزال علمًا غير مكتمل. فالبركان كائن جيولوجي معقد، وقد يتغير سلوكه بفعل عوامل غير متوقعة.

كما أن:

  • تكلفة المراقبة المستمرة مرتفعة

  • وصيانة الأجهزة داخل البركان شديدة الخطورة

  • والتغيرات المناخية قد تؤثر على سلوك البراكين بطرق غير مفهومة بعد

لا تقتصر أهمية هذه الدراسة على المكسيك وحدها. فالعلماء يرون أن ما تحقق في بوبوكاتيبيتل يمكن تطبيقه على براكين نشطة أخرى حول العالم، مثل:

  • فيزوف في إيطاليا

  • ميرابي في إندونيسيا

  • إتنا في صقلية

ما يجعل هذا المشروع نقطة تحول في علم البراكين الحديث.

يقف بركان بوبوكاتيبيتل شاهدًا على التوازن الهش بين الإنسان والطبيعة. فبينما يواصل البركان تنفّسه العنيف، يحاول العلم فك شفرته، ليس للسيطرة عليه، بل للتعايش معه بأقل الخسائر الممكنة.

ما كشفه مشروع AP News ليس مجرد صور ثلاثية الأبعاد أو بيانات علمية، بل رسالة واضحة:

المعرفة قد لا تمنع الكارثة، لكنها تمنح البشر فرصة للنجاة.