تصاعد غير مسبوق للاعتداءات والعنصرية ضد المسلمين في ألمانيا

الإسلاموفوبيا في ألمانيا

الرائد: تواجه الجالية المسلمة في ألمانيا تصاعداً غير مسبوق في معدلات الاعتداءات والعنصرية، حيث تحولت مظاهر الإسلاموفوبيا من سلوكيات فردية معزولة إلى واقع خطر يهدد أمن وسلامة أكثر من 5.5 مليون مسلم. ووفقاً لأحدث التقارير الحقوقية الصادرة عن تحالف مكافحة كراهية الإسلام والمسلمين (CLAIM)، سُجل رقم قياسي يتجاوز 4,000 حادثة اعتداء وتمييز ضدهم، بمعدل يصل إلى أكثر من 11 اعتداءً يومياً. هذا التصاعد الحاد، المدفوع بخطاب اليمين المتطرف والتوترات السياسية، بات يتخذ أشكالاً شديدة الخطورة؛ تتنوع بين الاعتداءات اللفظية والجسدية في الأماكن العامة، التمييز المؤسساتي، واستهداف المساجد ودور العبادة، حيث تأتي النساء المحجبات في مقدمة الضحايا بنسبة تتجاوز 64% من الحوادث الموثقة.

وتعتقد الشبكة بوجود عدد كبير من الحالات غير المُبلغ عنها لوجود عوائق كبيرة أمام الإبلاغ بالنسبة للمتضررين، لا سيما في المدارس، وعندما يكون المشتبه به موظفاً حكومياً أو من عناصر الشرطة، بحسب ما نقلت عدة وسائل إعلام ألمانية.

تصاعد لغة الأرقام والبيانات الصادمة
تكشف الإحصائيات الحقوقية الرسمية وغير الرسمية في ألمانيا عن قفزة مرعبة في وتيرة استهداف المسلمين؛ إذ تظهر البيانات الموثقة تحولاً خطيراً نحو مأسسة الكراهية، وتضاعفاً قياسياً في أعداد البلاغات المسجلة سنوياً. ولا تقتصر هذه الأرقام الصادمة على العاصمة برلين وحدها، بل تمتد لتشمل مختلف الولايات الألمانية، حيث تتنوع طبيعة هذه الانتهاكات بين اعتداءات لفظية مباشرة، وتهديدات مبطنة، وتفرقة عنصرية في قطاعات العمل والإسكان، وصولاً إلى استخدام العنف الجسدي المفرط وحالات الحرق العمد التي تستهدف ترهيب الضحايا.
استهداف النساء والمساجد كحلقات أضعف
تتصدر النساء المحجبات والمراكز الدينية قائمة الفئات الأكثر عرضة لهذه الموجة العنصرية، حيث باتت المحجبات يدفعن الثمن الأكبر في الشوارع ووسائل النقل العامة من خلال تعرضهن للبصق، والمضايقات، ومحاولات نزع الحجاب القسرية. بالتوازي مع ذلك، تواجه المساجد ودور العبادة الإسلامية هجمات ممنهجة وتصاعدية، تتراوح بين تدنيس جدرانها بالشعارات النازية والعنصرية، وتلقي خطابات تهديد بالقتل، وصولاً إلى الاعتداء المباشر برمي الحجارة ومحاولات الإحراق، مما يهدد حرية ممارسة الشعائر الدينية بأمان.
الجذور السياسية والإعلامية المغذية للظاهرة
تعود جذور هذا التصاعد الحاد إلى عوامل سياسية وإعلامية متداخلة، يبرز في مقدمتها الصعود الانتخابي المتنامي لحزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف، والذي نجح في شرعنة خطاب الكراهية وجعله مقبولاً في النقاش العام. ويتغذى هذا الخطاب السياسي على تغطية إعلامية تفتقر أحياناً إلى الموضوعية، حيث يتم ربط المسلمين بشكل دائم بالقضايا الأمنية والأزمات الخارجية، مما يساهم في تشويه صورتهم النمطية وتحويلهم في وعي المجتمع إلى “تهديد داخلي” دائم.
الموقف الحكومي والفجوة في آليات الحماية
أمام هذا الواقع المتأزم، تظهر فجوة واضحة بين الإدانات السياسية الرسمية وبين الإجراءات الأمنية والقانونية الفعلية على أرض الواقع لحماية المواطنين والمقيمين المسلمين؛ إذ غالباً ما تُصنف الكثير من الاعتداءات تحت بنود جنح عادية دون الالتفات لدافعها العنصري. هذا القصور يدفع المؤسسات الإسلامية والمنظمات الحقوقية في ألمانيا إلى رفع الصوت عالياً، للمطالبة بتشريعات صارمة تجرم الإسلاموفوبيا بشكل صريح، وتوفير آليات حماية وتأمين مكثفة للمساجد، إلى جانب اعتماد مراكز إبلاغ مستقلة وموثوقة لتوثيق الجرائم وإنصاف الضحايا.
مناخ من الخوف بين المسلمين في ألمانيا.
بحسب التقرير، يُلاحظ نوع من التبلد تجاه التمييز والإهانات والتحريض على الكراهية: “من الواضح أن الإبلاغ عن أشكال العنصرية اليومية يتناقص بالتدريج، إذ تؤدي التجارب المتكررة للتمييز إلى تطبيعها تدريجياً”.
وتتحدث الشبكة عن “مناخ من الخوف” يسود بين المسلمين في ألمانيا.
وبحسب مسح سنوي للمعهد الألماني للبحوث الاقتصادية يتعرض حوالي 13% من السكان في ألمانيا للتمييز في الحياة اليومية. وأفاد أكثر من 28.6 % من المسلمين بأنهم تعرضوا للتمييز، وهي نسبة أعلى بكثير مقارنة بغير المسلمين التي بلغت 10.4 %.
وتظهر نسبة مرتفعة بشكل خاص بين النساء المسلمات اللواتي يرتدين الحجاب، إذ أفادت أكثر من 38% من المشاركات في المسح المنتميات إلى هذه الفئة بأنهن تعرضن للتمييز خلال عام واحد بحسب تقديرهن.
حالات اعتداءات موثقة
من بين الحالات الموثقة، حادثة فتاة في مدينة غرايفسفالد تعرضت لإهانات عنصرية من قبل فتيان بشعارات مثل “ليغادر الأجانب” (ألمانيا). وحاول أحد الفتيان إطفاء سيجارة على حجابها.
وفي حادثة أخرى، تعرضت محجبة تبلغ من العمر 52 عاماً للكم في وجهها من قبل مجهول في مدينة دوسلدورف في ديسمبر/كانون الأول الماضي، مما أدى إلى سقوطها من دراجتها وإصابتها بجروح بليغة.
لكن العنصرية لم تتوقف عند العنف الجسدي. فقد أفاد طالب مسلم في ولاية شليسفيغ-هولشتاين أنه كلما طرح موضوع التطرف أو الإرهاب للنقاش، يسأله أستاذه عما إذا كان يريد “النأي بنفسه” عنهما أو كيف يشعر تجاههما “كأتباع دينه”.
لا تبدأ العنصرية بالعنف 
قال سعيد إتريس هاشمي، خلال عرض التقرير: “لا تبدأ العنصرية بالعنف، بل بتصنيف الناس بشكل قاطع على أنهم مشكلة”. وقد نجا سعيد نفسه من الهجوم العنصري في هاناو في 19 فبراير/شباط 2020، ولكن ليس من دون إصابات خطيرة.
وقالت ريما هنانو، الرئيسة التنفيذية لـ “شبكة كلايم” (Netzwerk Claim) ، إن قضية العنصريةضد المسلمين لا تحظى في الوقت الحالي بالاهتمام الكافي من الحكومة الألمانية.
وحذرت قائلة: “تجارب العنصرية تُدمر الثقة في السياسة والمؤسسات، وتُعزز الشعور بعدم الانتماء”. وعلى الرغم من ذلك، يتزايد إنكار وجود العنصرية ضد المسلمين. وانتقدت ريما هنانو قائلة: “هناك انطباع متزايد بأن المسلمين لا يُسمح لهم بالظهور في النقاش العام إلا كجناة، وليس كضحايا للإقصاء والعنف”.
وطالبت الشبكة بمراجعة سريعة لخطة العمل الوطنية لمكافحة العنصرية، كما هو منصوص عليه في اتفاق الائتلاف الحاكم، وزيادة تمويل منظمات المجتمع المدني المعنية برصد الحوادث المعادية للمسلمين، كما هو الحال في حالات معاداة السامية أو معاداة الغجر.
في النهاية،يظهر تصاعد العنصرية والاعتداءات ضد المسلمين في ألمانيا أن “الإسلاموفوبيا” لم تعد مجرد ظاهرة هامشية، بل تحولت إلى خطر داهم يهدد السلم المجتمعي وقيم التعددية التي طالما تغنت بها الديمقراطيات الأوروبية. إن مواجهة هذا المنحنى الخطير تتطلب ما هو أبعد من عبارات التضامن والإدانة السياسية التقليدية؛ إنها تستوجب إرادة حقيقية لترجمة القوانين إلى إجراءات صارمة تردع المحرضين، وتوفر حماية فعلية للمساجد والفئات المستهدفة، لا سيما النساء. إن استقرار المجتمع الألماني ومستقبل اندماج ملايين المسلمين فيه بات مرهوناً بمدى جدية الدولة والمجتمع المدني في التصدي لخطاب الكراهية، والاعتراف بالإسلاموفوبيا كجريمة عنصرية قائمة بذاتها تستدعي الاجتثاث من الجذور.

اترك تعليقا