تركيا تصل إلي المرحلة الأخيرة من الصراع مع حزب العمال الكردستاني
بعد إقرار البرلمان قانونا لنزع سلاح الحزب
- abdelrahman
- 11 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- اخبار جريدة الرائد, البرلمان التركي, تركيا, حزب العمال الكردستاني, نزع السلاح
الرائد : أقر البرلمان التركي أمس الاثنين خطوة هي الأهم منذ عقود لإنهاء الصراع المسلح مع حزب العمال الكردستاني، بعدما أقر بأغلبية 468 صوتًا من أصل 600 مشروع قانون يضع إطارًا قانونيًا لتفكيك الحزب ونزع سلاحه، ويوفر حماية قانونية لفئات من أعضائه السابقين،
ويفتح قرار البرلمان الطريق أمام تعليق بعض الأحكام القضائية المرتبطة بالانتماء إلى الحزب. وقد حظي القانون بتأييد حزب العدالة والتنمية الحاكم وحليفه حزب الحركة القومية، إضافة إلى حزب المساواة وديمقراطية الشعوب المؤيد للأكراد.
لا تكمن الأهمية فقط في تمرير قانون داخل البرلمان، وإنما في أن الدولة التركية انتقلت للمرة الأولى من مرحلة الدعوات السياسية إلى وضع آلية قانونية يفترض أن تجعل إنهاء الصراع قابلًا للتنفيذ.
ضحايا حزب العمال فاقوا 40الف قتيل
فالصراع بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني بدأ عام 1984، وأدى خلال أكثر من أربعة عقود إلى مقتل أكثر من 40 ألف شخص،
. وتغيرت أهداف الحزب عبر السنوات، من المطالبة بدولة كردية مستقلة إلى المطالبة بحقوق أوسع للأكراد وحكم ذاتي محدود في المناطق ذات الغالبية الكردية جنوب شرقي تركيا.
الخلفية التاريخية
وقد مرت تركيا بمحاولات عدة لإنهاء الصراع، لكنها فشلت في الوصول إلى تسوية دائمة. وكانت أبرز محاولة خلال العقد الماضي، عندما بدأت حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان مسارًا تفاوضيًا مع ممثلين عن الحركة الكردية، قبل أن ينهار المسار ويعود القتال.
لكن الجديد أن المبادرة جاءت من داخل البيئة السياسية التركية نفسها، ثم انتقلت تدريجيًا إلى مؤسسة البرلمان.
مبادرة اوجلان
وكانت نقطة التحول الأساسية في فبراير 2025، عندما دعا عبد الله أوجلان، الزعيم التاريخي المسجون لحزب العمال الكردستاني، إلى إنهاء الصراع وحل الحزب.
وفي مايو من العام نفسه أعلن الحزب موافقته على إنهاء الكفاح المسلح والتفكك، ثم أحرق عدد من مقاتليه أسلحتهم بصورة رمزية في شمال العراق بعد شهرين.
وفي عام 2025 شكل البرلمان التركي لجنة لمتابعة عملية نزع السلاح، ثم تطور المسار حتى وصل إلى التشريع الذي أُقر هذا الأسبوع.
لكن وبحسب مراقبين فإن اقرار البرلمان التركي لهذا القانون لا يعني أن الصراع انتهى.وهذه نقطة يجب عدم تجاوزها في التعمل مع هذا التطور
ومن المهم الإشارة هنا إلي أن أكبر مشكلة تواجه المسار هي ترتيب الخطوات.فأنقرة كانت تصر على أن ينفذ حزب العمال الكردستاني نزع السلاح أولًا قبل تقديم ضمانات قانونية واسعة لأعضائه،
بينما كان الجانب الكردي يخشى أن يؤدي التخلي عن السلاح من دون ضمانات إلى ترك مقاتليه السابقين عرضة للملاحقة والسجن. وقد وصفت رويترز هذا الخلاف بأنه أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت العملية تتقدم ببطء. 
لذا القانون الجديد يحاول حل هذه المعضلة من خلال توفير الحماية القانونية لفئات محددة، لكنه لا يقدم بالضرورة إجابة عن كل المطالب الكردية.
فالقانون، وفق مصادر إعلامية لا يحسم قضايا أوسع تتعلق بالحقوق السياسية والثقافية للأكراد، ولا يغير بصورة شاملة قوانين مكافحة الإرهاب، كما لا يحسم مستقبل أوجلان أو وضعه القانوني.
نقطة الضعف
ومن البديهي القول أنه يمكن للدولة أن تنجح في تفكيك تنظيم مسلح، لكنها لن تنجح بالضرورة في إنهاء القضية الكردية إذا بقيت أسباب الصراع السياسي والاجتماعي قائمة.لذلك فإن نجاح المسار يتوقف على الفصل بين أمرين: إنهاء العمل المسلح من جهة، وحل المشكلات السياسية والحقوقية من جهة أخرى.
فالأول يمكن أن يتحقق بقرار تنظيمي وقانوني.أما الثاني فيحتاج إلى إصلاحات أعمق.
ومن الناحية السياسية، يمثل اتفاق حزب العدالة والتنمية والحركة القومية مع الحزب المؤيد للأكراد تطورًا لافتًا؛ لأن القضية الكردية كانت تاريخيًا من أكثر الملفات التي تقسم المجتمع السياسي التركي.
وإذا تمكن هذا التحالف غير المعتاد من الاستمرار، فقد تتحول عملية السلام إلى مشروع لإعادة ترتيب السياسة التركية نفسها.
اقرار البرلمان التركي لهذا القانون لا يلغي أن هناك تحديات تجابه تركيا فالقوى القومية داخل تركيا قد تقبل بنزع سلاح حزب العمال الكردستاني، لكنها قد ترفض لاحقًا أي تنازلات سياسية تعتبرها تجاوزًا للخطوط الحمراء المتعلقة بوحدة الدولة.
وفي المقابل، فإن الأكراد قد يعتبرون إنهاء السلاح مجرد خطوة أولى، ويطالبون بإصلاحات سياسية وثقافية أوسع.وهذا يعني أن أصعب مرحلة قد تبدأ بعد نزع السلاح وليس قبله.
سيناريوهات مرجحة
وفي هذا السياق السيناريو الأول هو نجاح تدريجي للمسار. في هذه الحالة يتراجع النشاط المسلح، وتندمج أعداد من المقاتلين السابقين في الحياة المدنية، وتبدأ الحكومة بإصلاحات سياسية محدودة تجاه المناطق الكردية. وإذا تحقق ذلك فقد يصبح الصراع الممتد منذ 1984 صفحة تاريخية.
السيناريو الثاني هو نجاح أمني وفشل سياسي. قد يختفي حزب العمال الكردستاني كتنظيم مسلح، لكن استمرار القيود السياسية والثقافية يمكن أن يؤدي إلى ظهور تيارات كردية جديدة تتبنى العمل السياسي بدل السلاح. وهذا سيكون أفضل من الحرب، لكنه لن يعني نهاية القضية.
السيناريو الثالث هو عودة الصراع بسبب انهيار الثقة. فإذا رأى الأكراد أن الضمانات القانونية غير كافية، أو رأت أنقرة أن عملية نزع السلاح لم تكن كاملة، فقد تتوقف العملية في منتصف الطريق.
وهناك عامل إقليمي لا يمكن تجاهله.فحزب العمال الكردستاني ليس موجودًا فقط داخل تركيا، بل له امتدادات مرتبطة بالمنطقة العراقية والسورية. ولذلك فإن نجاح المسار التركي يحتاج إلى ترتيبات تتجاوز الحدود التركية، خصوصًا في شمال العراق وسوريا.وهذا يجعل تركيا أمام فرصة تاريخية، لكن الفرصة ليست مضمونة.
الاختبار الأصعب
وفي هذا السياق إذا نجحت أنقرة في تحويل نزع السلاح إلى تسوية سياسية أوسع، فقد تصبح هذه واحدة من أهم التحولات الداخلية في تاريخ الجمهورية التركية الحديث.
أما إذا اختزلت العملية في تفكيك التنظيم المسلح دون معالجة جذور المشكلة، فقد يتحقق هدوء مؤقت، لكن الصراع قد يعود في صورة سياسية أو تنظيمية جديدة.
ومن ثم فإن الاختبار الحقيقي للقانون الذي أقره البرلمان ليس عدد الأصوات التي حصل عليها، وإنما ما إذا كان يستطيع تحويل أربعة عقود من الصراع المسلح إلى علاقة سياسية جديدة بين الدولة التركية والمجتمع الكردي.