النسوية اليهودية من زوجة الشيطان إلى دعم فيلم ( باربي )
أحمد دعدوش يكتب
- dr-naga
- 11 أغسطس، 2026
- مقالات وتحليلات
- أحمد دعدوش, الجذور الأسطورية للنسوية, النسوية اليهودية, زوجة الشيطان, فيلم ( باربي )
مقدمة: الجذور الأسطورية للنسوية (أسطورة ليليث)
ينطلق الطرح من تأصيل تاريخي وفكري لأيدلوجيا النسوية المتطرفة، بالعودة إلى جذورها في الميثولوجيا والتراث اليهودي، وتحديداً أسطورة “ليليث”. تُصوَّر “ليليث” في الفولكلور اليهودي على أنها الزوجة الأولى لسيدنا آدم، والتي خُلقت من نفس طينته، وعلى عكس حواء التي خُلقت من ضلعه، رفضت ليليث الخضوع لآدم أو الاستسلام له، وتمردت على الفطرة التي تقتضي التكامل والأدوار المتبادلة بين الرجل والمرأة. وقد تبنت “النسوية اليهودية” الحديثة، ومعها تيارات النسوية العالمية، شخصية “ليليث” كأيقونة أولى للتمرد والاستقلال النسوي، محولة إياها من رمز شرير في التراث إلى رمز للتحرر من الهيمنة الذكورية. هذا الإرث الفكري يشكل القاعدة الفلسفية التي انطلقت منها الحركات النسوية لاحقاً لتفكيك البنية الأسرية التقليدية.
*تأسيس المشروع: مخترعة الدمية وخلفياتها الأيديولوجية*
ينتقل الحديث إلى التطبيق العملي لهذه الأفكار عبر بوابة صناعة الترفيه، وتحديداً مع “روث هاندلر”، المؤسسة المشاركة لشركة “ماتيل” ومخترعة دمية “باربي” في عام 1959. لم تكن الفكرة وليدة الصدفة، بل استُلهمت من دمية ألمانية تُدعى “بيلد ليلي”، والتي كانت في أصلها دمية مخصصة للبالغين وتحمل طابعاً جنسياً. الهدف الأيديولوجي لـ “هاندلر” كان واضحاً: إبعاد الفتيات عن اللعب بدمى الأطفال الرضع التي تغرس غريزة الأمومة ورعاية الأسرة، واستبدالها بدمية تمثل المرأة البالغة المستقلة. هذا التحول كان بمثابة هندسة اجتماعية مبكرة لغرس فكرة أن طموح الفتاة يجب ألا يقتصر على تكوين الأسرة، بل يجب أن يتجه نحو الاستقلالية، المظاهر، والنجاح المهني المادي.
*مسار التطور: الأيديولوجيا المتجسدة في البلاستيك*
عبر العقود، تطور المشروع الأيديولوجي للعبة ليعكس شعار “يمكنك أن تكوني أي شيء”. تحولت باربي لتمثل مئات المهن المرموقة، ولكن في المقابل، تم تغييب دورها كأم أو زوجة بشكل ممنهج. عالم “باربي” هو عالم استهلاكي بحت، يخلو من الروابط الأسرية الحقيقية، ويركز على النرجسية، الجمال الخارجي، والممتلكات المادية. أما شخصية “كين” التي أُضيفت لاحقاً، فقد قُدمت كمجرد “إكسسوار” أو حبيب وسيم لكن بلا عمق أو دور حقيقي، مما يعكس رؤية نسوية تسعى لتهميش دور الرجل وإفراغه من محتواه القيادي والأسري.
*الانتقادات العلمية والتربوية للعبة*
لم تمر هذه الهندسة الاجتماعية دون انتقادات لاذعة وموثقة. فقد أثبتت دراسات علمية ونفسية عديدة أن التعرض المستمر لمقاييس جسم “باربي” الخيالية والمستحيلة بيولوجياً، يؤدي إلى تدني حاد في تقدير الذات لدى الفتيات، ويسبب لهن اضطرابات في الأكل، وعدم رضا مزمن عن أجسادهن الطبيعية. كما رُفعت دعوات تربوية تحذر من أن اللعبة تدرب الأطفال على الانغماس في ثقافة الاستهلاك والسطحية، وتفرغهم من القيم الأخلاقية والروحية العميقة.
*قصة الفيلم: تجسيد البروباغاندا على الشاشة*
يأتي الفيلم السينمائي الأخير ليترجم هذه الأيديولوجيا إلى عمل بصري ضخم، يفتتح بمشهد رمزي يحاكي فيلم “2001: أوديسة الفضاء”، حيث تظهر الفتيات وهن يلعبن بدمى الأطفال (التي ترمز للأمومة التقليدية)، لتظهر “باربي” كعملاقة تسحق هذه الدمى، في إشارة واضحة إلى أن الحركة النسوية جاءت لتحطم نموذج الأمومة التقليدي وتحرر المرأة من قيودها.
تدور أحداث الفيلم في “أرض باربي”، وهي يوتوبيا أمومية تسيطر فيها النساء على جميع مفاصل السلطة، بينما يعيش الرجال على هامش المجتمع ككائنات ترفيهية لا قيمة حقيقية لها. تبدأ العقدة عندما تصاب “باربي” بأزمة وجودية، مما يجبرها على النزول إلى “العالم الحقيقي”. هناك، تكتشف أن النظام الأبوي لا يزال يسيطر على الواقع، بينما يكتشف “كين” هذا النظام وينبهر به، ليعود إلى “أرض باربي” ويغسل عقول بقية النساء لتتحولن إلى خادمات خاضعات.
في النهاية، تستعيد النساء السيطرة عبر التلاعب بالرجال، وتنتهي القصة بقرار “باربي” التخلي عن مثالية البلاستيك لتصبح إنسانة فانية تعيش تعقيدات الواقع. وتُختم القصة بلقطة رمزية قوية حين تذهب باربي إلى طبيبة نسائية، في تلميح صريح لتكريس مفهوم “الحرية الجسدية” والإجهاض كأعلى درجات التحرر النسوي، بعيداً عن أي إطار أسري أو أخلاقي تقليدي.
*الجدل الفكري: البروباغاندا والدفاع المستميت*
يختتم الطرح بتحليل ردود الفعل المتباينة؛ فبينما يرى النقاد والمفكرون أن الفيلم يمثل “بروباغاندا نسوية” وقحة، وواجهة ترفيهية لأجندة “الووك” التي تهدف إلى تفكيك الأسرة وتشويه صورة الرجل، وتدعيم النرجسية الأنثوية؛ تدافع الحركات النسوية بضراوة عن الفيلم، معتبرين إياه عملاً فنياً عبقرياً يسخر من “الذكورية السامة” ويحتفي بتمكين المرأة. الخلاصة التي يُفضي إليها الطرح هي أن هذا العمل ليس مجرد ترفيه بريء، بل هو تتويج لمشروع أيديولوجي ممنهج بدأ بدمية بلاستيكية قبل أكثر من ستين عاماً، ويهدف اليوم إلى إعادة هندسة وعي الأجيال، وتطبيع أفكار متطرفة تهدم الفطرة والقيم الإنسانية الراسخة، مستغلاً غفلة ملايين المشاهدين الذين يصفقون لأفكار تهدم هويتهم وهم يظنون أنهم يتسلون فحسب.
ــ
تفريغ لفيديو من قناة السبيل.