تحذيرات قضائية في بلجيكا من تحول البلاد لـ “دولة مخدرات”

أموال عصابات المخدرات تهدد استقرار المجتمع

حذر مسؤولون في السلطة القضائية البلجيكية من تصاعد نفوذ شبكات تهريب المخدرات في البلاد، مؤكدين أن بلجيكا تواجه خطر التحول إلى ما وصفوه بـ”دولة مخدرات” في ظل التوسع المتزايد للجريمة المنظمة المرتبطة بتجارة الكوكايين في أوروبا.

وجاءت هذه التحذيرات على لسان Bart Willems رئيس محكمة الاستئناف في مدينة Antwerp، الذي أكد أن الجرائم المرتبطة بالمخدرات الدولية أصبحت تشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاجتماعي في بلجيكا.

وأوضح ويلوكس أن أحد الأسباب الرئيسية لتصاعد هذه الظاهرة هو موقع ميناء Port of Antwerp، الذي يعد من أكبر الموانئ في أوروبا ويشكل نقطة دخول رئيسية لشحنات الكوكايين القادمة من أمريكا الجنوبية إلى القارة الأوروبية.

وقال ويلوكس في تصريحات صحفية إن حجم الأموال المتداولة في تجارة المخدرات أصبح ضخمًا إلى درجة تمكن العصابات من التأثير على الأفراد والمؤسسات من خلال الرشاوى أو الترهيب.

وأضاف:
“إن حجم الأموال المتورطة في هذه التجارة كبير جدًا لدرجة أنه يسمح بالتأثير على الناس وإفسادهم، وهو ما يشكل خطرًا حقيقيًا على استقرار مجتمعنا”.

وكانت محكمة أنتويرب قد اتخذت خطوة غير معتادة في أكتوبر الماضي بنشر رسالة مفتوحة كتبها قاضٍ تحقيق مجهول الهوية، حذر فيها من أن بلجيكا تتجه تدريجيًا نحو التحول إلى دولة مخدرات.

وأشار القاضي في رسالته إلى أن هياكل المافيا أصبحت راسخة داخل المجتمع البلجيكي، لدرجة أنها باتت تمثل “قوة موازية” لا تتحدى أجهزة الشرطة فقط، بل تمارس ضغوطًا أيضًا على النظام القضائي.

وأكد ويلوكس أن السلطات البلجيكية تبذل جهودًا لمنع هذا السيناريو، لكنه شدد على أن البلاد تواجه ضغطًا متزايدًا نتيجة توسع أنشطة عصابات المخدرات الدولية.

من جهته، قال Guido Vermeiren المدعي العام لمنطقتي أنتويرب وليمبورغ، إنه يتفق مع التحذيرات التي أطلقها القاضي المجهول، موضحًا أن بلجيكا بدأت بالفعل تشهد مظاهر متزايدة من الفساد والتهديدات المرتبطة بعصابات المخدرات.

وأضاف فيرميرين أن هذه العصابات أصبحت تستخدم أساليب مختلفة للسيطرة على مفاصل المجتمع، من بينها الترهيب والرشوة واستغلال الشباب.

وبحسب بيانات Europol، فإن أكثر من 70% من شحنات الكوكايين التي دخلت أوروبا في عام 2024 مرت عبر ميناءي أنتويرب وروتردام، رغم أن العصابات بدأت مؤخرًا استخدام موانئ أصغر لتجنب الرقابة الأمنية المشددة.

وتكمن المشكلة الأساسية في تزايد كميات المخدرات القادمة من أمريكا الجنوبية، خاصة من كولومبيا، حيث سجلت السلطات البلجيكية في عام 2023 ضبط كمية قياسية بلغت 121 طنًا من الكوكايين.

وفي عام 2024 انخفضت الكميات المضبوطة إلى نحو 44 طنًا، غير أن وكالة مكافحة المخدرات التابعة للاتحاد الأوروبي أشارت إلى أن هذا الانخفاض قد يكون مرتبطًا بتطور أساليب إخفاء المخدرات كيميائيًا، إضافة إلى نقل عمليات التهريب إلى موانئ أقل مراقبة.

كما ارتبطت شبكات الجريمة المنظمة بعدد من الحوادث الأمنية الخطيرة في البلاد، من بينها مؤامرة لاختطاف وزير الداخلية البلجيكي عام 2022، إلى جانب سلسلة من عمليات إطلاق النار التي شهدتها العاصمة Brussels خلال عام 2025.

وأوضح المسؤولون أن توسع أنشطة العصابات أدى إلى تصاعد أعمال العنف المرتبطة بالمخدرات، بما في ذلك عمليات الخطف والتعذيب وغسل الأموال.

وفي إحدى القضايا التي كشفت عنها السلطات، دفعت عصابة إجرامية أكثر من 250 ألف يورو لعامل في ميناء أنتويرب مقابل نقل حاوية واحدة فقط تحتوي على مخدرات.

وأشار المدعي العام إلى أن العمال الذين يرفضون التعاون مع العصابات غالبًا ما يتعرضون لتهديدات مباشرة، حيث يتم إرسال رسائل تتضمن صورًا لأطفالهم أو استهداف منازلهم بمتفجرات محلية الصنع.

كما كشف فيرميرين أن العصابات تستغل القاصرين في بعض العمليات، إذ يتم دفع مبالغ صغيرة لأطفال لا تتجاوز أعمارهم 13 عامًا للتسلل إلى الميناء وسرقة شحنات الكوكايين.

وفي حالات أخرى، تقوم الشبكات الإجرامية بمساعدة بعض الشباب في الحصول على وظائف داخل الميناء قبل أن تضغط عليهم لاحقًا للمشاركة في عمليات التهريب.

وفي مارس 2024، تمكنت الشرطة البلجيكية من إحباط محاولة نفذها أربعة مسلحين بأسلحة آلية لسرقة أكثر من 1500 طن من الكوكايين المصادَر من أحد المستودعات الجمركية.

وتشير السلطات إلى أن القضاة والمدعين العامين أصبحوا هدفًا متزايدًا لعمليات الترهيب، حيث تعرض بعضهم للتهديد أو لمحاولات رشوة بهدف الحصول على معلومات حساسة، مثل عناوين منازل القضاة أو تفاصيل التحقيقات الجارية.

وبسبب هذه التهديدات، اضطر عدد من القضاة إلى الإقامة في بيوت آمنة تحت حماية أمنية مشددة، فيما أمضى أحد القضاة أربعة أشهر في مكان سري بعد تلقيه تهديدات مرتبطة بقضايا المخدرات.

في الوقت نفسه، يحذر القضاة من أن النظام القضائي البلجيكي يواجه ضغوطًا كبيرة نتيجة نقص التمويل المزمن، وهو ما يزيد من صعوبة مواجهة الجريمة المنظمة.

وقد أطلقت محاكم ومدعون عامون في أنتويرب حملة تحت اسم “من خمسة إلى اثني عشر” للتحذير من أن النظام القضائي يقترب من مرحلة خطيرة قد تهدد سيادة القانون.

وتهدف الحملة إلى زيادة الوعي العام بالمشكلات التي يواجهها القضاء، والمطالبة بإصلاحات تشمل تعزيز أمن المحاكم، ومعالجة الاكتظاظ في السجون، وتحسين ظروف عمل القضاة والموظفين.

ورغم إعلان وزارة العدل البلجيكية في نوفمبر الماضي خطة لزيادة الإنفاق بنحو مليار يورو إضافية على النظام القضائي بحلول عام 2029، لا يزال العديد من القضاة يشككون في كفاية هذه الإجراءات لمواجهة التحديات المتصاعدة.

كما كشفت التحقيقات التي أعقبت اختراق شبكة الاتصالات المشفرة “سكاي إي سي سي” عن حجم شبكة تهريب المخدرات في أوروبا، إذ استخدمها مئات المجرمين لتنظيم عمليات التهريب وتنسيق تسليم الأموال وإصدار أوامر القتل.

ومنذ أولى الاعتقالات المرتبطة بالقضية في 9 مارس 2021، أعلنت السلطات البلجيكية إدانة 1206 أشخاص حتى الآن في قضايا مرتبطة بالمخدرات والعنف والفساد وحيازة الأسلحة، فيما تم تحديد نحو 5000 مشتبه به محتمل.

وأكد المدعون العامون أن اختراق هذه الشبكة كشف عن منظمة إجرامية واسعة النطاق تمتد من دبي إلى أمريكا الجنوبية، ما أظهر أن حجم النشاط الإجرامي كان أكبر بكثير مما كانت تتوقعه السلطات في السابق.