بين عثمان سونكو وبشير جوماي فاي.. خلافات حقيقية أم لعبة سياسية؟

الساحة السياسية في السنغال باتت منشغلة بالخلافات بين الرجلين

د/ محمد الأمين سوادغو

لديّ سلسلة مقالات عن الوضع في السنغال، أستهلّها بهذا السؤال المحوري: هل الخلافات بين الفريقين حقيقية فعلًا، أم أنها مناورة سياسية مدروسة في مواجهة المعارضة والدولة العميقة؟

تتداول الساحة السياسية في السنغال اليوم روايتين أساسيتين:

الرواية الأولى/ ترى أن ما يجري ليس سوى مناورة سياسية تهدف إلى إنقاذ السنغال من انهيار اقتصادي وسياسي محتم، وفشل مشروع حزب باستيف من انقاذ السنغال اقتصاديا، نتيجة الضغوط التي تمارسها الدولة العميقة، ممثلة في المعارضة وشبكات (فرانس أفريك) المرتبطة بالسياسات الفرنسية التقليدية في غرب أفريقيا.
وبحسب هذه الرواية، فإن المخطط يقوم على إقالة رئيس الوزراء، الحاكم الفعلي للمشهد السياسي السنغالي، ليعود إلى البرلمان من أجل ضبط الإيقاع السياسي داخله ومواجهة المعارضة، تمهيدًا لاستقالة الرئيس بشير جوماي فاي نفسه، خلال بضعة أشهر، قد لا تتجاوز أربعة، لصالح عثمان سونكو، وفق ما يسمح به الدستور السنغالي.
وبذلك يكون الفريق الحاكم قد تجاوز المعضلة القانونية التي وضعتها الدولة العميقة لمنع عثمان سونكو من الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، ويتم تغيير السياسة الاقتصادية التي كان يمشيها جوماي فاي وفشل فيها.

الرواية الثانية/ ترى أن الخلافات بين الرجلين حقيقية وجدية، وليست مجرد مناورة سياسية، بل تمثل انقسامًا بين حلفاء الأمس، وكما يقال: (المعارضة تجمع، والحكم يفرّق) ويستند أصحاب هذا الرأي إلى جملة من المعطيات، أبرزها:

1- تضارب المشاريع السياسية:

يرى أصحاب هذا الطرح أن جوهر الخلاف يعود إلى تضارب المشاريع السياسية بين الرجلين، وإلى تراجع تطبيق مشروع حزب حزب باستيف الذي صوّت له الشباب السنغالي بكثافة.
ويعتبر هؤلاء أن بشير جوماي فاي بات أقرب إلى امتداد سياسي للرئيس السابق ماكي سال، في حين أن عثمان سونكو ظل يمثل المشروع السياسي والاقتصادي والأمني الذي قام عليه الحزب، وهو ما يتعارض بحسبهم مع التوجهات الجديدة للرئيس جوماي فاي.

2- بصمات ماكي سال والدولة العميقة في اختيار جوماي فاي:

يرى بعض المتابعين أن اختيار جوماي فاي رئيسًا لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تفاهمات معقدة جرت أثناء وجوده في السجن، بمشاركة أطراف من داخل حزب باستيف ومن محيط الرئيس السابق ماكي سال، حيث يقال إن بشير جوماي صهر ماكي سال، وبحسب هذا التصور، فإن فرنسا والدولة العميقة كانتا تبحثان عن شخصية مقبولة تضمن استمرار النفوذ التقليدي في السنغال، مع احتواء الصعود الشعبي لعثمان سونكو.
وقد خرج جوماي فاي وعثمان سونكو من السجن يوم 14 مارس 2024، ضمن عفو رئاسي أصدره ماكي سال، بعد نحو أحد عشر شهرًا من الاعتقال، ثم جرت الانتخابات الرئاسية يوم 24 مارس 2024؛ أي بعد عشرة أيام فقط من الإفراج عنهما، ويعدّ هذا المشهد، في نظر كثيرين، سابقة سياسية نادرة في غرب أفريقيا، إذ انتقل الرجلان من السجن إلى خوض الانتخابات الرئاسية في ظرف زمني قياسي.

3- تراجع جوماي فاي عن التزامات حزب باستيف:

ارتبط اسم بشير جوماي فاي بحزب باستيف وبعثمان سونكو ارتباطًا وثيقًا، حتى إن علاقتهما الشخصية كانت توصف بالاستثنائية؛ سمة جوماي فاي ابنه باسم صديق عثمان سونكو حبا فيه على عادة الأحباب في غرب أفريقيا والعالم.
غير أن بعض المحللين يرون أن وصوله إلى السلطة ترافق مع دعم خارجي ورغبة داخلية في تقديم شخصية أقل صدامًا مع مراكز النفوذ التقليدية ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن جوماي فاي لا يمتلك الكاريزما القيادية التي تؤهله لقيادة دولة محورية مثل السنغال، وأن اختياره كان جزءًا من محاولة لإضعاف صورة حزب باستيف، وإظهار مشروعه التحرري في صورة أقل تماسكا وحدّة.

4- فشل جوماي فاي في بعض الملفات الإقليمية:

يستشهد منتقدو الرئيس السنغالي بتعثر بعض مبادراته الإقليمية، خصوصًا في ما يتعلق بالوساطة بين دول الساحل ومنظمة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، إضافة إلى محدودية نجاحه في التقريب بين مالي وفرنسا.
وفي المقابل، حظي عثمان سونكو باستقبال لافت خلال زيارته إلى بوركينا فاسو، حيث قُدّم في بعض الأوساط باعتباره رمزًا أفريقيًا تحرريًا، وقد استمرت زيارته لبوركينافاسو يوم 16 مايو 2025 الماضي واستمرت نحو 48 ساعة، واعتُبرت محطة سياسية مهمة كشفت حجم التقارب بين رؤيته ورؤية إبراهيم تراوري بشأن تقليص النفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا.
كما زار عثمان سونكو دولة مالي في زيارة رسمية خلال عام 2024 وُصفت بالمفاجئة بعد تشكيل (كونفدرالية دول الساحل)، وكانت أول زيارة له إلى دولة من دول تحالف الساحل.

5- الموقف من أزمات الساحل:

من أبرز نقاط التباين بين الرجلين بحسب هذا الطرح اختلاف الرؤية تجاه أزمات الساحل، ولا سيما الوضع في مالي.فأنصار عثمان سونكو يرون أن مشروع حزب باستيف يقوم على دعم دول الساحل سياسيًا وأمنيًا، في مواجهة التحديات الإقليمية والتدخلات الأجنبية، بينما يتبنى جوماي فاي سياسة أكثر حذرًا تقوم على النأي بالسنغال عن الانخراط المباشر في صراعات المنطقة.

6- الخلاف حول “إيكواس” وفرنك CFA :

يدافع تيار عثمان سونكو عن فكرة الانسحاب من منظمة إيكواس، باعتبارها خاضعة بدرجة كبيرة للنفوذ الفرنسي، كما يدعو إلى التخلي عن عملة فرنك CFA التي يرون أنها تقيد اقتصادات غرب أفريقيا.
في المقابل، يُنظر إلى توجهات جوماي فاي باعتبارها أكثر ميلًا إلى الحفاظ على العلاقات التقليدية مع المؤسسات الإقليمية والدولية، والسعي إلى إعادة بناء الجسور مع الدول المنسحبة من إيكواس، في إطار مقاربة أقل صدامية مع فرنسا والغرب.

7- تساهل جوماي فاي مع رموز الفساد من أنصار ماكي سال:

يُلاحظ وجود قدر من التساهل من جانب جوماي فاي تجاه بعض المتهمين بالفساد من أنصار الرئيس السنغالي السابق ماكي سال، والمقرّب من فرنسا، والإفراج عن بعضهم، في مقابل ما يراه منتقدوه تجاهلًا لحقوق ضحايا المتظاهرين الذين قُتلوا خلال الاحتجاجات المناهضة لنظام ماكي سال، حتى كاد أن يفقد بعض أنصار حزب ياستيف ثقتهم بالحزب وبمصداقية زعيمه عثمان سونكو.
وسأتناول في المقالات القادمة حيثيات المرحلة المقبلة، في ظل تعيين أحمد الأمين لوح رئيسًا للوزراء، وهو خبير اقتصادي ومالي سنغالي، إضافة إلى طبيعة الصراعات المتوقعة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في السنغال، وانعكاسات ذلك على مستقبل البلاد والمنطقة.

  • د/ محمد الأمين سوادغو، كاتب من بوركينا فسو

اترك تعليقا