هل ماتت العلمانية المتطرفة في تركيا مع خلافات حزب الشعب الجمهوري ؟
عبد العزيز مجاهد يكتب
- dr-naga
- 25 مايو، 2026
- حوارات ومقالات
- الحرب, العلمانية في تركيا, تركيا حزب الشعب الجمهوري, مصطفي أتاتورك
في السياسة التركية…
لا تبدو أزمة حزب الشعب الجمهوري مجرد خلاف على قيادة الحزب، بل معركة أعمق بكثير… معركة على هوية الحزب نفسه.
الحزب الذي أسسه
مصطفى كمال أتاتورك قبل أكثر من مئة عام، على أنه “حزب الدولة” و”حارس العلمانية”، يعيش اليوم واحدة من أخطر لحظاته التاريخية… بعد انفجار الصراع بين جناحين:
واحد قديم يتمسك
بإرث الحزب الكمالي التقليدي…
يعادي مظاهر الدين
في المجال العام مهما كلفه ذلك من أثمانٍ انتخابية
وآخرُ جديد يتصالح مع الحجاب ومع تاريخ تركيا قبل الجمهورية في سبيل كسب أصواتٍ جديدة
التيار الأول
يضحي بفرصه في العودة للحكم بعد أن حركت عقودُ المحافظين في الحكم المجتمعَ كله إلى اليمين كما يقول أنصار أردوغان
والتيار الثاني
يضحي بكتلة الحزب الصلبة التي توارثته جيلا عن آخر في سبيل الحفاظ على هويته التي تأسس بها
وبين المعسكرين…
يقف الحزب أمام سؤال مصيري:
هل يبقى حزب النخبة الكمالية القديمة؟
أم يتحول إلى حزب جماهيري واسع قادر على منافسة المحافظين في الشارع التركي؟
فما جذور هذه
الأزمة؟
ولماذا تحولت إلى معركة وجود داخل أكبر أحزاب المعارضة التركية؟
القصة بدأت عام 1923… مع تأسيس حزب الشعب الجمهوري على يد أتاتورك، ليكون الذراع السياسية للجمهورية التركية الحديثة.
الحزب حمل منذ نشأته مبادئ “الكمالية الستة” التي يرفعها شعره لليوم:
العلمانية… القومية… الجمهورية… الشعبوية… الدولة المركزية… والإصلاحية.
ولعقود طويلة…
لم يكن الحزب مجرد حزب سياسي، بل كان يمثل هوية الدولة التركية نفسها بل وكيانها، خصوصًا داخل الجيش والقضاء والجهاز البيروقراطي. رئيس الحزب في المحافظة هو الوالي فيها وممثل الدولة
لكن وفي عقده السابع وجد الحزب نفسه أمام تحدٍ ناشئ جديد مع صعود الأحزاب المحافظة في الثمانينات وتصاعد التحدي حتى وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002…ومعها بدأ حزب الشعب الجمهوري يفقد تدريجيًا احتكاره للمشهد السياسي.
الحزب وجد نفسه أمام معضلة صعبة:
هل يتمسك بخطه الكمالي الصلب حتى لو بقي بعيدًا عن السلطة؟
أم يغير خطابه لجذب شرائح جديدة من المجتمع التركي حتى لو فقد جوهره؟
لكن هذه ليست
أول مرة ينقسم فيها الحزب.
ففي السبعينات…
استشعر رئيسه بولنت أجاويد الخطر فخاض معركة لتحويل الحزب من حزب نخبوي إلى “يسار شعبي”.
وفي التسعينات والألفية الجديدة… عاد الصراع بين التيار القومي العلماني المتشدد والتيار
الأكثر انفتاحًا على المحافظين والأكراد.
حتى جاءت مرحلة كمال كليتشدار أوغلو… الرجل الذي حاول توسيع قاعدة الحزب عبر التحالف مع أطراف مختلفة، من القوميين إلى المحافظين وحتى الأحزاب الكردية بشكل غير مباشر.
ورغم نجاحه في تحقيق مكاسب بلديات كبرى مثل إسطنبول وأنقرة… إلا أن خسارته الانتخابات الرئاسية عام 2023 فجرت غضبًا واسعًا داخل الحزب. وطرحت السؤال الصعب : متى يعود حزب مؤسس الجمهورية للحكم ؟
ومن هنا صعد الجيل الجديد بقيادة أوزغور أوزال… مدعومًا من رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.
هذا التيار الجديد
يرى أن الحزب لا يمكنه هزيمة أردوغان بالعقلية القديمة.
ويريد خطابًا أكثر شعبية… أقل نخبويّة… وأكثر قربًا من الشارع المحافظ والشباب والطبقات الوسطى.
المشكلة أن مكاسب هذا التيار في الصناديق قابلتها خسائر في صفوف الحزب التقليدية
التيار التقليدي
استشعر الخطر بل واتهم أوزال ورفاقَه بتحويل الحزب إلى نسخة باهتة من الأحزاب المحافظة
يقولون الحزب
يفقد هويته التاريخية تدريجيًا… و التنازلات السياسية أفقدته روحه الكمالية الصلبة.
التيار القديم داخل الحزب يتمسك بثلاثة عناصر أساسية:
العلمانية الصارمة… القومية التركية… والتمسك بإرث أتاتورك التقليدي.
أما التيار الجديد…
فيحاول تقديم نسخة مختلفة من الحزب:
حزب اجتماعي ديمقراطي… أكثر مرونة تجاه الهوية الدينية… وأكثر انفتاحًا على التحالفات… وأقل
تصادمًا مع المحافظين.
ولهذا… فالصراع
الحالي ليس مجرد صراع أسماء.
بل صراع بين “حزب الدولة القديمة”… و”حزب المعارضة الجديدة”.
تاريخ الحزب إذا دورات متكررة: تبدأ بعجز عن تحقيق النتائج المرجوة في الشارع يتبعه صعود قيادة جديدة تتخفف من إرث الماضي الصلب لتكسب مزيدا من الأصوات إلى أن يطلب الشارع التركي مزيدا من التنازل فتأتي قيادة أجدد وهكذا
صراعٌ متواصل بين مجتمع لاتزال جذوره الضاربة في التربة من قبل الجمهورية تنبض وبين دولة خطت لنفسها طريقا لا يتقاطع مع ما كان قائما قبل تأسيسها بل ويعاديها
والمجتمع يكسب كل دورة انتخابية أرضا جديدة من دولته
كل دورة تخفف من تركيز الحزب وتسحبه يمينا
وفي آخر الدورات
انفجرت مؤخرًا الأزمة بعد قرارات قضائية طعنت بشرعية مؤتمر الحزب عام 2023… وهو المؤتمر الذي أوصل أوزغور أوزال إلى رئاسة الحزب بدل كمال كليتشدار أوغلو.
الأمر الذي أدى إلى اشتباكات وتوترات داخل مقر الحزب في أنقرة… وسط اتهامات متبادلة بمحاولة
السيطرة على الحزب بالقضاء أو بالشارع.
ومع تصاعد الأزمة…
بدا واضحا أن الحزب يقف على مفترق طريقين لا ثالث لهما
طريق يُحول الحزب
إلى حزب معارضة جماهيري حديث يقوده جيل جديد. ما يعني مزيدا من التخلي عن لونه المميز وفقدانه قطاعا واسعا من كتلته العلمانية الصلبة
وطريق يعود فيه
التيار التقليدي لاستعادة الخط الكمالي القديم… خصوصًا إذا تصاعدت المخاوف من فقدان هوية الحزب التاريخية.
لكن في كل الأحوال…
يبدو أن حزب الشعب الجمهوري دخل مرحلة مختلفة تمامًا عن كل أزماته السابقة.
لأن السؤال اليوم لم يعد: من يرأس الحزب؟
بل هل ينجح الحزب
الأقدم في تركيا في إعادة تعريف نفسه… دون أن يفقد هويته التاريخية؟ أم أن صلاحية العلمانية المتطرفة قد انتهت في ت