بين السويس وباب المندب.. صفحة في الجغرافيا والاقتصاد السياسيين

د. ياسر عبد التواب يكتب

“كتبت هذه المقالة من سنوات ثمانية خلت كأنها تستشرف اهمية المضائق والشرايين البحرية وهذا ما يحدث مثله في هرمز الان “

من الأخطاء الكبرى التي نقع فيها – وبالأخص الجهات الأكاديمية والتنفيذية – أن نهمل ارتباط السياسة بالاقتصاد وارتباط الجغرافيا بالسياسة وبغيرها من العلوم المختلفة

أو بمعنى آخر البحث في كافة العوامل التي تغري الساسة في بسط نفوذهم على مناطق معينة والارتباط باتفاقات قد تبدو بعيدة عن السياسة وهي في صلبها حين وضع ذلك في حسباننا وهم يسخرون لذلك ( القوى الناعمة وغيرها ) لبسط تلك السيطرة

منذ سنوات حضرت محاضرة للمهتدي الداعية يوسف إسلام ( المغني الإنجليزي المشهور ) ولفت نظري لهذا بقوله معاتبا :” أنتم تدرسون الجغرافيا كعلم مصمت ونحن ندرس الجغرافيا لنتعرف كيف يمكننا الاستفادة من إمكانات الدول المختلفة في رفع شأننا”

نعم يدرسون من أجل مزيد من التمكين والاحتلال ولا تستغرب حين تتجول في مجاهل إفريقيا لتجد بنى تحتية ومشروعات عملاقة يملكها ويديرها غربيون بشكل خاص أو من خلال اتفاقات حكومية واستثمارات لشركات عابرة للقارات

وتأسيسا على ذلك نقول أن الساسة هناك لا يعانون كثيرا في تحديد أولوياتهم لأنهم تربوا ودرسوا في مدارسهم دراسات تاريخية تعطيهم أصول الصراع مع غيرهم – ونحن بالطبع بشكل خاص – وترشدهم كيف يستغلون الشعوب ويدركون أهميتها وأوزانها النسبية وما تملكه من خيرات ومعادن ومنافع

فتتحدد خرائطهم الذهنية تجاه غيرهم فإن ذكرت لهم جيبوتي مثلا أو الصومال أو اليمن فإنهم يستحضرون أولا ما تتمتع به تلك المناطق من خيرات وما تتحكم به من مضائق وأيضا أنها دول إسلامية ضمن منظومة يسعون لاحتوائها

وهكذا تتشكل الأوليات دون كثير من العناء وهو حقا ما نفتقده في مناهجنا

دعنا نتأمل على سبيل المثال لندرك صراعهم حول المنطقة العربية والقرن الإفريقي فنقول :

هم يدركون أن قناة السويس منفذ مهم لا يمكن فصله إستراتيجيا عن مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب وقد ازدادت هذه الأهمية بطبيعة الحال مع اكتشاف النفط في الخليج العربي وإيران وشبه الجزيرة العربية، والاعتماد على البحر الأحمر لنقله إلى الغرب

ثم هناك أهمية أخرى للمنطقة إن أضيف إليها القرن الإفريقي ( الإسلامي ) المكون من جيبوتي والصومال واريتريا ويجاورها كينيا وأثيوبيا صوماليلاند. وتتحكم بمضيق باب المندب.

ولتواصل المنطقة مع اليمن في نقطة التماس هذه فتكون المنطقتين معا طوقا كبيرا مهما يتحكم في تحركات بحرية وعسكرية وتدفق تجاري

تضافرت مع هذه الأهمية دوافع أخرى للقوى العظمى و منها الصين تتعلق بالاحتواء وبسط النفوذ ( طريق الحرير ) والولاء الأيديولوجي وما إلى ذلك..

واعتبارها عمقا جغرافيا لكثير من الدول العربية شرق البحر الأحمر وشماله وما فوقها من الدول العربية كمصر وليبيا والسودان تعد بالنسبة لها الحديقة الخلفية ونفس الشيء عن بقية الدول الإفريقية المتاخمة للدول العربية الأخرى في الشمال الإفريقي كتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا

لذا يضعون للمنطقة بكل الدول المذكورة أهمية خاصة بحيث لا تخرج عن سيطرتهم بأي حال

خذ مثلا اهتمام أمركيا بالصومال إلى درجة إرسال جنودها حال الصراعات فيها بما عرف بعملية إعادة الأمل وإرسال جون كيري إلى كينيا وتدخل فرنسا في أكثر من بلد إفريقي ومحاولة إسرائيل السيطرة على دول شتى هناك فيزور نتنياهو وليبرمان تلك الدول مع الإغراء بحزم من المساعدات ومراكز التدريب والبحث والصحة والمشاريع المشتركة

وما دمنا تطرقنا لهذا التدخل الصهيوني نلتقط الأمر ونقول أن دولة الكيان الصهيوني تهتم بأن يكون لها يد بصورة أو أخرى في المنطقة إما بالتحكم بالدول المحيطة بهذا الطوق أو بوضع يدها على تلك المضايق ( اتفاقات وتحركات في جيبوتي وأريتريا ) أو مؤخرا بإسناد الإشراف على تيران وتدويل مياهها الإقليمية ) لنستوعب حجم الجريمة في حق المنطقة برمتها

إذن هناك جغرافيا سياسية واقتصاد سياسي وبنفس السياق نقول هناك طب سياسي ومساعدات سياسية وفن سياسي وثقافة سياسية وكل الدول تقوم بهذا !

وفي صراعات المنطقة ينسى من يتهم غيره بتسييس المساعدات الإنسانية والدبلوماسية بأنه هو الآخر يقوم بنفس الشيء لكن عين السخط تبدي المساويا

اترك تعليقا