بريطانيا وأزمة السودان: العلاقات مع الإمارات على حساب دماء الضحايا
رأي صحيفة تلغراف
- dr-naga
- 25 يونيو، 2026
- رأي وتحليلات
- «مجزرة إبادة جماعية», الإمارات, السودان, بريطانيا, صحيفة تلغراف
قدّمت حكومة المملكة المتحدة إخفاقها في التدخل لمنع «مجزرة إبادة جماعية» في السودان بسبب مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى الإضرار بعلاقات بريطانيا مع الإمارات العربية المتحدة، بحسب ما أكده أحد أبرز محققي جرائم الحرب أمام البرلمان البريطاني.
وكان فريق منع الفظائع التابع لوزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية قد تلقى تحذيرات متعددة بشأن ما وُصف بأنه «أحد أكبر أحداث سقوط الضحايا الجماعية في القرن الحادي والعشرين»، وذلك قبل أن تقتحم قوات شبه عسكرية مدعومة من الإمارات مدينة الفاشر السودانية في أكتوبر الماضي.
وقال ناثانيال ريموند، المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية في كلية الصحة العامة بجامعة ييل، إن فريقه زوّد مسؤولي الوزارة البريطانية بمعلومات استخباراتية آنية على مدى أكثر من عامين، محذراً من أن حصار المدينة سينتهي بعمليات قتل جماعي للمدنيين.
لكن رغم هذه التحذيرات، فشلت الحكومة البريطانية في التحرك، إذ أشار مسؤولون إلى مخاوف سياسية تتعلق برد فعل الإمارات، التي كانت تدعم قوات الدعم السريع في السودان، وفق ما قاله ريموند أمام لجنة التنمية الدولية التابعة لمجلس العموم البريطاني، والمكلفة بمراقبة عمل وزارة الخارجية.
وقال في إفادة مكتوبة للنواب: «لقد أعطى المسؤولون الأولوية للعلاقات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية لحكومة جلالة الملك مع الإمارات على حساب منع التجويع المتعمد والتهجير القسري والقتل الجماعي ذي الطابع الإبادي لعشرات الآلاف من المدنيين الذين كانوا يعيشون في الفاشر والمناطق المحيطة بها».
وتواجه الإمارات اتهامات واسعة بتهريب الأسلحة إلى قوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه بشدة.
وفي أكتوبر الماضي، سيطرت قوات الدعم السريع، التي تخوض حرباً أهلية منذ أربع سنوات ضد القوات الحكومية، على مدينة الفاشر الكبيرة في غرب السودان بعد حصار استمر 18 شهراً، خلص محققو الأمم المتحدة إلى أنه حمل «سمات الإبادة الجماعية».
ووفقاً لصور الأقمار الصناعية ومعلومات المصادر المفتوحة التي جمعها فريق ريموند في جامعة ييل، فقد يكون ما لا يقل عن 60 ألف شخص قد قُتلوا خلال أسابيع من سقوط المدينة.
وأوضح ريموند للنواب في إفادة مكتوبة أن حجم المجزرة يعادل ستة أضعاف الإبادة الجماعية في سربرينيتسا بالبوسنة عام 1994، وعشرين ضعف هجمات 11 سبتمبر، ويتجاوز حصيلة القتلى الأولية للقنبلة الذرية التي أُلقيت على ناغازاكي عام 1945.
وفي شهادة قدمها للنواب الثلاثاء، قال ريموند إن الحكومة البريطانية، بصفتها الدولة المكلفة بملف السودان في مجلس الأمن الدولي، كانت قد تلقت بين منتصف عام 2023 وسقوط المدينة في أكتوبر 2025 معلومات استخباراتية «أكثر من كافية» لتطوير خيارات سياسية كان من الممكن أن تمنع الكارثة.
وأضاف: «كان ينبغي أن تشمل هذه الخيارات ممارسة ضغوط علنية وسرية من قبل حكومة جلالة الملك. وعلى سبيل المثال، كان من الممكن استخدام عقوبات مباشرة ضد مسؤولين إماراتيين، على أقل تقدير، لعرقلة خط الإمداد السري للأسلحة المتطورة الذي كانت الإمارات توفره لقوات الدعم السريع».
ويزعم ريموند أن الوزراء البريطانيين فضّلوا العلاقات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية مع الإمارات، مشيراً إلى أن مسؤولين بريطانيين قلقين أخبروه بذلك بشكل مباشر.
وقال: «إن فشل حكومتين بريطانيتين متعاقبتين في منع وقوع مجزرة الفاشر يبدو نتيجة التزام قيادي داخل الحكومة البريطانية بوضع العلاقة الاستراتيجية مع الإمارات فوق الالتزامات القانونية الدولية المتعلقة بمنع الإبادة الجماعية».
واستذكر ريموند واقعة حدثت في مايو 2024 عندما طلب منه مسؤولون في وزارة الخارجية البريطانية نشر أدلة علناً تتضمن بيانات هواتف محمولة تم اعتراضها، تربط الإمارات بقوات الدعم السريع، لأن بريطانيا كانت تواجه «ضغوطاً خاصة كبيرة» من أبوظبي تحد من قدرتها على الرد سياسياً.
وقال في إفادته: «أخبروني أن المملكة المتحدة كانت تتعرض لضغوط كبيرة خلف الكواليس من الإمارات تحد من قدرتها على التأثير في الوضع».
وأضاف: «طلب مسؤولو الوزارة مني نشر تحليل بيانات الهواتف الذي يربط منشآت موجودة في الإمارات بقوات الدعم السريع».
وتابع: «بمعنى آخر، كانت الحكومة البريطانية تطلب من مختبر أبحاث خاص في قسم علم الأوبئة بجامعة أمريكية، وليس من جهاز الاستخبارات الحكومية أو جهاز الاستخبارات السرية، تقديم الدعم للجهود الرامية إلى مواجهة الإمارات بسبب دعمها السري لقوات الدعم السريع».
ويشير ذلك ضمناً إلى احتمال أن يكون المسؤولون قد تصرفوا دون موافقة الوزراء، أو أن الوزراء أرادوا نشر المعلومات دون أن يظهروا بمظهر من يقوم بذلك مباشرة.
كما أثار ريموند تساؤلات حول تعامل وزارة الخارجية البريطانية مع التحذيرات المتعلقة بالفظائع وآليات التصعيد.
وقال إنه خلال اجتماع مع مسؤولي الوزارة في مايو 2024، أُبلغ ممثلو منظمات المجتمع المدني بأن المنظمات غير الحكومية لا يمكنها سوى «إطلاق تحذير واحد» بشأن السقوط الوشيك للفاشر، وإلا فسيُنظر إليها على أنها «تطلق إنذارات كاذبة».
وأضاف أن الوزارة تبنت تفسيراً حرفياً ومحدوداً لالتزاماتها بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2736، الذي طالب قوات الدعم السريع بوقف حصار الفاشر فوراً، ورفضت اتخاذ إجراءات إضافية ضد الجهات الداعمة للقوات.
وأشار إلى أن هذين النهجين وفّرا حماية سياسية للوزارة عبر الحد من احتمالات الإدانة العلنية أو اتخاذ إجراءات ضد الإمارات.
وقال ريموند إنه خلال الفترة نفسها تقريباً، بدا أن عمليات قوات الدعم السريع توقفت مباشرة بعد صدور القرار الأممي.
وأضاف أن فريقه في جامعة ييل تلقى معلومات من مصدر لديه معرفة مباشرة بعمليات قوات الدعم السريع الداخلية، تفيد بأن أبوظبي طلبت من قائد القوات محمد حمدان دقلو «حميدتي» تعليق الهجوم مؤقتاً لكي تتمكن الإمارات من تقييم ما إذا كانت ستواجه تبعات سياسية.
لكنه أكد أن وزارة الخارجية البريطانية أهدرت فرصة ممارسة الردع ضد الإمارات رغم إبلاغها بوجود نافذة زمنية تسمح بذلك.
وقال للنواب: «عند النظر إلى الماضي، أعتقد أن أنجح خطوة لمنع الفظائع اتخذتها الحكومة البريطانية والمجتمع الدولي كانت خلال الفترة القصيرة التي شعرت فيها الإمارات بالقلق من أن القرار 2736 قد يترتب عليه عواقب سياسية. وما إن خلصت أبوظبي إلى عدم وجود أي تبعات، حتى استؤنف الهجوم».
وأضاف: «تكشف مأساة الفاشر أن التكنولوجيا المتقدمة والتحليلات يمكن أن توفر للقادة معلومات أساسية لدعم اتخاذ القرار، لكن بيانات الأقمار الصناعية والقدرات الحاسوبية وحدها لا تستطيع خلق الإرادة السياسية أو الشجاعة الأخلاقية».
وتغطي الانتقادات التي وجهها ريموند الفترة الممتدة من نهاية حكومة ريشي سوناك إلى بداية حكومة كير ستارمر.
أما وزراء الخارجية المعنيون خلال تلك الفترة فهم ديفيد كاميرون، وديفيد لامي، وإيفيت كوبر.
وقد تم التواصل مع وزارة الخارجية البريطانية للحصول على تعليق.
