ألمانيا بين القمع المؤسسي ومأزق اليمين المتطرف
أصوات يهودية ألمانية واخري مناهضة للصهيونية
- dr-naga
- 27 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- أصوات يهودية ألمانية مناهضة للصهيونية, ألمانيا, القمع المؤسسي, اليمين المتطرف, تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد
الرائد/ تشهد الساحة الألمانية حالياً معادلة جيوسياسية واجتماعية بالغة التعقيد، تتقاطع فيها سياسات القمع الرسمي الموجه ضد أي تعبير عن التضامن مع فلسطين، مع تصاعد أصوات يهودية ألمانية مناهضة للصهيونية، وفي ظل مخاوف متنامية من اختراق اليمين المتطرف للمشهد السياسي. هذه الديناميكيات المتضاربة تضع السياسات الموالية لإسرائيل في ألمانيا أمام مأزق استراتيجي حقيقي، وتفتح الباب أمام سيناريوهات دراماتيكية قد تعيد تشكيل المشهد الأوروبي برمته.
المحور الأول: القمع المؤسسي وتحويل برلين إلى “ساحة مواجهة”
تتصاعد وتيرة التضييق على كل ما هو فلسطيني في ألمانيا، في ظل ما يصفه مراقبون بـ “الهستيريا الأمنية والسياسية”. ويرجع محللون هذا التشدد غير المسبوق إلى قناعة راسخة لدى دوائر صنع القرار الموالية لإسرائيل في برلين، بأن العاصمة الألمانية تحولت تدريجياً إلى بؤرة و”مركز عالمي لمناهضة الصهيونية”، مما يستدعي قمعه.
في هذا السياق، تؤكد تقارير حقوقية وسياسية أن “السلطات الألمانية تضيق على كل حراك مؤيد لفلسطين ومنتقد لإسرائيل، بحجة كونه معادياً للسامية، وهو ما يدفع مراقبين لانتقاد هذه السياسات باعتبارها تكميماً للأفكار وانتهاكاً لحرية التعبير” .
ويذهب بعض المحللين الغربيين إلى أن هذا التحول يجعل ألمانيا “أداة وظيفية لقمع فلسطينيي الشتات، مما يمثل تواطؤاً مباشراً لحماية الاحتلال من الفضيحة الأخلاقية” .
المحور الثاني: اختراق الجدار.. أصوات يهودية ألمانية تناهض الصهيونية
في مفارقة لافتة للنظر، لا يقتصر الرفض للسياسات الإسرائيلية على الأوساط العربية والإسلامية فحسب، بل يمتد ليشكل تياراً فكرياً رصيناً يقوده أكاديميون ومثقفون يهود ألمان.
يبرز هنا دور منظمة “الصوت اليهودي من أجل سلام عادل في الشرق الأوسط” (Jüdische Stimme) ومقرها برلين، والتي تُعد واحدة من أبرز الجمعيات اليهودية المناهضة للصهيونية والمؤيدة للحقوق الفلسطينية في أوروبا [[56]]. وقد نجحت هذه الجمعية مؤخراً في انتزاع نصر قضائي تاريخي يلزم المخابرات الألمانية (مكتب حماية الدستور) بحذف تصنيفات مجحفة كانت تلصق بها تهمة “التطرف” لمجرد مناهضتها للاحتلال .
على الصعيد الأكاديمي، يشير المؤرخ والأكاديمي اليهودي البارز موشيه تسوكرمان إلى أن “انتقاد إسرائيل في ألمانيا ما زال محرماً على نطاق واسع”، مؤكداً أن اتخاذ موقف معارض للخطاب الصهيوني السائد يتطلب “شجاعة وجسارة فكرية” استثنائية في المناخ السياسي الألماني الحالي.
وقد تجلى هذا التحدي بشكل عملي عندما واجه بعض المثقفين اليهود الألمان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشكل مباشر وهاجموا سياساته خلال لقاءات مغلقة، في تحدٍ نادر للبروتوكول الموالي لإسرائيل.
المحور الثالث: أفعال مُنسوبة زوراً ومناخ من القلق المتنامي
تتغذى آلة القمع أحياناً على روايات مشوهة، حيث يتم إلصاق أفعال وتصريحات متطرفة بالمسلمين في ألمانيا، رغم عدم وجود أدلة قاطعة على أنهم من قاموا بها. يهدف هذا التوظيف الإعلامي والسياسي إلى تبرير سياسات التجريم والمراقبة الشاملة.
ويحذر باحثون في الشؤون الأوروبية من أن هذا النهج يغذي “الإسلاموفوبيا المؤسسية”، حيث يتم خلط متعمد بين معاداة السامية الحقيقية وبين النقد المشروع للسياسات الإسرائيلية، مما يخلق مناخاً من القلق والريبة يتنامى يوماً بعد يوم داخل الجاليات المسلمة والعربية، ويهدد النسيج الاجتماعي التعددي الذي لطالما تميزت به ألمانيا .
المحور الرابع: معادلة اليمين المتطرف وموقف “المجلس المركزي لليهود”
إلى جانب ملف الصراع العربي-الإسرائيلي، يبرز متغير داخلي خطير يهدد الاستقرار الألماني، وهو الصعود الملحوظ لحزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) اليميني المتطرف، الذي يتقدم بشكل مطرد على حساب الأحزاب التقليدية، مما يقوي فرص وصوله إلى دوائر السلطة.
وقد صنفت المخابرات الألمانية الداخلية هذا الحزب رسمياً ككيان “يميني متطرف”، مشيرة إلى أن “الفهم القائم على العِرق والأصل للشعب، والذي يسود داخل الحزب، يتعارض مع النظام الديمقراطي الحر” .
في تطور يعكس عمق المأزق، فإن “المجلس المركزي لليهود في ألمانيا” لم يتوانَ عن مهاجمة هذا اليمين المتطرف ومراراً وتكراراً. فقد حذر يوزف شوستر، رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، صراحة من صعود هذا الحزب، مؤكداً أنه “لا توجد إمكانية للتعاون مع حزب البديل من أجل ألمانيا أو أحزاب مماثلة” بسبب خطابها الذي يهدد النسيج الديمقراطي ويحيي ذكريات الماضي المظلم .
ويصف شوستر وأعضاء آخرون في المجلس هذا التقدم الانتخابي بأنه “خرق للسد لا يمكن للقوى السياسية الديمقراطية في هذا البلد قبوله ببساطة” .
الخلاصة: الصهيونية في مأزق استراتيجي وسيناريوهات دراماتيكية تلوح في الأفق
باختصار، تجد الرواية الصهيونية السائدة في ألمانيا نفسها محاصرة في مأزق حقيقي ومتعدد الأوجه. فمن ناحية، تواجه تنامياً في التعاطف الشعبي والدعم للقضية الفلسطينية رغم حملات القمع. ومن ناحية أخرى، تواجه شبح اليمين المتطرف الذي يهدد النظام الديمقراطي بأكمله، والذي ترفضه المؤسسة اليهودية الرسمية بشدة.
يلاحظ المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الأوروبية أن “السياسة الخارجية الألمانية تتجه نحو أقصى اليمين فيما يتعلق بإسرائيل، بينما تحارب اليمين المتطرف في الداخل، مما يخلق تناقضاً صارخاً يضع برلين في مأزق استراتيجي حقيقي”.
هذا التقاطع الخطير بين صعود اليمين المتطرف من جهة، وتنامي الوعي والدعم للقضية الفلسطينية من جهة أخرى، يشير إلى أن ألمانيا قد تكون على موعد مع تغييرات دراماتيكية وأحداث أكبر من كل التوقعات الحالية. فالأحداث لم تعد مجرد ردود أفعال عابرة، بل هي مؤشرات على تحول جيوسياسي عميق قد يعيد تعريف قواعد اللعبة في قلب أوروبا، مما يفرض على جميع الأطراف إعادة حساباتها في ظل مشهد سياسي لم يعد قابلاً للسيطرة بالطرق التقليدية.
