عنف المستوطنين ينذر بانفجار في الضفة

في ظل استمرار التوتر على جبهات أخرى

تشهد الضفة الغربية تصعيدًا غير مسبوق في أعمال العنف، وسط تزايد هجمات المستوطنين الإسرائيليين والعمليات العسكرية الإسرائيلية، الأمر الذي دفع مسؤولين فلسطينيين وخبراء أمنيين إلى التحذير من اقتراب الأوضاع من نقطة الانفجار. وجاءت أحداث قرية تل جنوب غرب نابلس، التي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين وإسرائيليين اثنين، لتسلط الضوء مجددًا على هشاشة الوضع الأمني والإنساني في الضفة الغربية، في ظل استمرار التوتر منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023.

ويقول سكان القرية إنهم تعرضوا لهجوم من مستوطنين مسلحين حاولوا اقتحام منازلهم، بينما تؤكد الرواية الإسرائيلية أن الحادثة بدأت باعتداء استهدف إسرائيليين. وأعقب ذلك عمليات عسكرية واسعة شملت إغلاق مداخل القرى، واعتقالات بالعشرات، وانتشارًا مكثفًا للقوات الإسرائيلية في محيط نابلس.

خبراء: الضفة تتجه إلى مرحلة أكثر خطورة

يرى الدكتور خليل الشقاقي، مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، أن تصاعد عنف المستوطنين لم يعد مجرد أحداث متفرقة، بل أصبح جزءًا من واقع يومي يزيد من احتمالات اندلاع انتفاضة جديدة، خاصة مع تراجع فرص الحلول السياسية وتزايد الشعور الفلسطيني بفقدان الأفق.

ويشير الباحث الإسرائيلي يوسي ميكلبرغ، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بـتشاتام هاوس، إلى أن توسع المستوطنات وتزايد نفوذ الأحزاب اليمينية داخل الحكومة الإسرائيلية ينعكسان بصورة مباشرة على مستوى الاحتقان في الضفة الغربية، محذرًا من أن استمرار هذه السياسات سيقود إلى دورة جديدة من العنف يصعب احتواؤها.

أما مايكل ميلشتاين، الرئيس السابق لمنتدى الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه ديان بجامعة تل أبيب، فيرى أن الضفة الغربية تمر بمرحلة غير مسبوقة من التوتر، وأن غياب الحلول السياسية يفتح المجال أمام مزيد من المواجهات بين الفلسطينيين والمستوطنين، وهو ما يفرض تحديات أمنية كبيرة على إسرائيل نفسها.

ويؤكد الباحث في مجموعة الأزمات الدولية مئير جافيدانفار أن استمرار المواجهات في الضفة الغربية بالتوازي مع الحرب في غزة يزيد الضغط على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ويهدد بفتح جبهة داخلية يصعب السيطرة عليها.

توسع الاستيطان يزيد التوتر

يرى مراقبون أن الحكومة الإسرائيلية كثفت خلال الأشهر الأخيرة إصدار التراخيص لمشروعات استيطانية جديدة، في وقت يدعو فيه وزراء من اليمين إلى فرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية.

ويقول أستاذ العلوم السياسية الدكتور حسن أيوب إن هذه السياسات تعزز الشعور الفلسطيني بأن الاستيطان لم يعد مجرد مشروع توسعي، بل أصبح أداة لتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي، وهو ما يفسر تصاعد الاحتكاكات اليومية بين المستوطنين والسكان الفلسطينيين.

ويضيف أن عمليات قطع أشجار الزيتون والتين والاعتداء على المزارعين تحمل أبعادًا اقتصادية ونفسية، إذ تستهدف مصادر رزق الفلسطينيين إلى جانب الضغط عليهم لمغادرة أراضيهم.

ردود فعل فلسطينية

أدانت الرئاسة الفلسطينية استمرار اعتداءات المستوطنين، مطالبة المجتمع الدولي بالتدخل الفوري لتوفير الحماية للمدنيين الفلسطينيين، كما حمّلت الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن تداعيات التصعيد.

وأكدت وزارة الخارجية الفلسطينية أن توسع الاستيطان والعنف المنظم ضد القرى الفلسطينية يمثلان انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي، داعية إلى فرض عقوبات على المستوطنين المتورطين في الاعتداءات.

من جهتها، شددت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان على أن الاعتداءات الأخيرة تأتي ضمن سياسة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض قبل أي تحركات سياسية مستقبلية.

الموقف الإسرائيلي

وصفت الحكومة الإسرائيلية أحداث قرية تل بأنها “عمل إرهابي”، مؤكدة أن قوات الجيش ستواصل ملاحقة المسؤولين عن مقتل الإسرائيليين. كما أعلنت السلطات الإسرائيلية تعزيز الإجراءات الأمنية في محيط نابلس وعدد من مناطق شمال الضفة الغربية، مع استمرار عمليات الاعتقال وإغلاق الطرق.

وفي المقابل، يواصل مسؤولون في الحكومة الدفاع عن سياسة التوسع الاستيطاني، معتبرين أن الضفة الغربية تمثل جزءًا من “أرض إسرائيل التاريخية”، وهو موقف يلقى رفضًا واسعًا من المجتمع الدولي.

مواقف دولية

أعربت الأمم المتحدة عن قلقها البالغ من تصاعد أعمال العنف في الضفة الغربية، مؤكدة أن حماية المدنيين تمثل أولوية وفق القانون الدولي.

كما دعت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إلى إجراء تحقيقات مستقلة في أعمال العنف، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات بحق المدنيين.

وأكد الاتحاد الأوروبي ضرورة وقف جميع الأنشطة الاستيطانية، محذرًا من أن استمرارها يقوض فرص التوصل إلى حل الدولتين ويزيد من حالة عدم الاستقرار.

من جانبها، دعت الولايات المتحدة جميع الأطراف إلى ضبط النفس وتجنب الخطوات التي قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد، مع التأكيد على أهمية حماية المدنيين ومنع اتساع دائرة العنف.

تداعيات محتملة

يرى خبراء أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى توسع رقعة الاشتباكات في مدن الضفة الغربية، مع احتمال اندلاع موجة احتجاجات ومواجهات أوسع إذا استمرت الاعتداءات الاستيطانية والعمليات العسكرية بوتيرتها الحالية.

كما يحذر اقتصاديون من أن استمرار الإغلاقات والاقتحامات سيؤثر سلبًا على النشاط الزراعي والتجاري، خاصة في المناطق الريفية التي تعتمد بصورة كبيرة على الزراعة، إضافة إلى زيادة معدلات البطالة والفقر.

ويؤكد محللون أمنيون أن أي انفجار واسع في الضفة الغربية سيضع إسرائيل أمام تحديات عسكرية وأمنية إضافية، في ظل استمرار التوتر على جبهات أخرى، وهو ما قد ينعكس على الاستقرار الإقليمي بأكمله.

وفي ظل غياب أي مؤشرات على انفراج سياسي قريب، تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع التوسع الاستيطاني والضغوط الإنسانية، بينما تتزايد التحذيرات من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى مواجهة أوسع يصعب احتواء تداعياتها.

اترك تعليقا