بالطبع، ترامب يساعد روسيا في أوكرانيا.. فهو خبير في فن الخيانة
مقال في الغارديان للكاتب/ جوناثان فريدلاند
- معاذ علي
- 18 أكتوبر، 2026
- تقارير وترجمات, مقالات وتحليلات
- الحرب الروسية الأوكرانية, الرئيس دونالد ترمب, اوروبا, بوتين, زيلينيسكي
لا بد أن “دونالد ترمب” يجد الأمر محبطًا على نحو غريب، فهو يواصل إظهار حقيقة شخصيته للعالم، ومع ذلك يظل العالم يرفض تصديقه، إنه يعلن، بأوضح طريقة ممكنة، أنه ليس زعيم العالم الحر، وأنه ليس حتى عضوًا موثوقًا به في المعسكر الديمقراطي الغربي، بل إنه في الواقع حليف لأعدائه، لكن الغرب، بما في ذلك “بريطانيا”، إما أنه لا يستوعب الرسالة كاملة، أو أنه لا يستطيع حمل نفسه على استخلاص النتيجة الواضحة منها.
حاول “ترمب” مرة أخرى هذا الأسبوع، إذ وجد طرقًا متعددة للإعلان عن أنه، في الحرب بين “روسيا” و”أوكرانيا”، ليس وسيطًا ولا صانع سلام، بل شريك لـ”فلاديمير بوتين”، وإنصافًا له، فقد أعلن الرئيس الأميركي ذلك بصوت مرتفع بعد أسابيع قليلة من عودته إلى “البيت الأبيض”، عندما وجّه، في فبراير 2025، توبيخًا علنيًا مصورًا إلى “فولوديمير زيلينسكي” داخل “المكتب البيضاوي”، ساعيًا إلى إذلال الزعيم الأوكراني بقوله له: «أنت لا تملك الأوراق اللازمة»، في الوقت الذي طالب فيه “جيه دي فانس” ضيفهم بإظهار الامتنان، كان ينبغي لذلك أن يجعل موقف “ترمب” واضحًا بما فيه الكفاية، لكنه خلال الأيام القليلة الماضية كاد يعلنه بأضواء ساطعة.
في وقت سابق من هذا الأسبوع، اكتشفت القوات الأوكرانية أن أحد المعدات الأساسية، وهو إصدار من نظام «ستارلينك» التابع لـ”إيلون ماسك”، الذي تستخدمه “كييف” لتوجيه طائراتها المسيّرة، لم يعد يعمل عند سرعات تتجاوز 100 ميل في الساعة، ولم يؤدِ ذلك إلى تقلّص مفاجئ في قدرة “أوكرانيا” على شنّ ضربات خلف خطوط المواجهة فحسب، بل تسبب أيضًا في إضعاف منظومة دفاع جوي حيوية لحماية العاصمة من الطائرات المسيّرة الروسية النفاثة، ولم يكن هذا عطلًا تقنيًا، فنظام «ستارشيلد»، وهو النسخة العسكرية من «ستارلينك»، مملوك للحكومة الأميركية وخاضع لسيطرتها، وكما ذكرت وكالة «رويترز»، فإن الأمر بتقييد استخدامه في “أوكرانيا” صدر من “البيت الأبيض”.
وببساطة، تدخل “ترمب” بصورة مباشرة في الحرب لإضعاف قدرة “أوكرانيا” على الدفاع عن نفسها، وقال “زيلينسكي” لـ”بيرس مورغان”: «سيؤدي هذا القرار إلى سقوط عدد كبير من الضحايا. وبالطبع، سيموت أشخاص»، لم تكن خطوة “ترمب” مفاجئة على الإطلاق، ففي الأسبوع نفسه، تعرضت “أوكرانيا” ليلتين على الأقل من القصف الروسي من دون التحذيرات المسبقة المعتادة من “الولايات المتحدة” بشأن توقيت الضربات الروسية أو الأماكن التي ستستهدفها “موسكو”، ونفى “ترمب” أنه أوقف تبادل المعلومات الاستخباراتية الذي استمر طويلًا مع “كييف”، لكن هذا بالضبط ما بدا عليه الأمر.
جاء كل ذلك بعد قرار الرئيس الأميركي كسر نظام العقوبات الدولية المفروض على “موسكو”، من خلال الموافقة على شراء وقود الديزل الروسي بقيمة 4 مليارات دولار، ولن يُحدث هذا الحجم من المشتريات تأثيرًا يُذكر في السوق الأميركية، حيث تهدد أسعار الديزل المرتفعة فرص الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي في عدد من الولايات الريفية التي تعتمد على هذا الوقود، لكنه سيمثل تدفقًا نقديًا مرحبًا به لآلة الحرب التابعة لـ”بوتين”.
ففي الوقت الذي بدا فيه أن الوضع العسكري الروسي يواجه صعوبات، جاء “دونالد ترمب” لإنقاذه، وإذا أضفنا إلى ذلك دعوة “الولايات المتحدة” “بوتين” لحضور قمة مجموعة العشرين في ديسمبر، التي ستُعقد في أحد ملاعب الغولف التابعة لـ”ترمب” في “فلوريدا”، فسنجد أنفسنا أمام رئيس أميركي لا ينقصه سوى أن يكتب دعمه لـ”روسيا” وخيانته لـ”أوكرانيا” في السماء.
خلال الولاية الأولى لـ”ترمب”، بُذل الكثير من الجهد لمحاولة معرفة السر المظلم الكامن وراء هذا الانجذاب الظاهر إلى “موسكو” وأنا أميل إلى الرأي الذي يطرحه زميلي المتخصص “لوك هاردينغ”، الذي يجيب عن سؤال ما إذا كان “ترمب” أداة في يد أجهزة الاستخبارات الروسية بسؤال من عنده: لو كان “ترمب” عميلًا روسيًا، فبأي طريقة كان سيتصرف على نحو مختلف عن الطريقة التي يتصرف بها الآن؟.
وبغض النظر عن الدافع، أو ما إذا كان الأمر، كما يقترح “هاردينغ”، مزيجًا من الجشع والأيديولوجيا والإعجاب بالحكام المستبدين والمواد الابتزازية التي تُعرف باسم «كومبرومات»، فإن الحقائق لا تقبل الجدل، فأقوى عضو في التحالف الغربي هو، في أفضل الأحوال، شريك لا يمكن الاعتماد عليه، وفي أسوأ الأحوال، متواطئ مع العدو الرئيسي للتحالف، ولا ينبغي أن تكون أهمية ذلك بحاجة إلى شرح، خصوصًا في الأسبوع الذي وصف فيه رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني «إم آي 5» “روسيا” بأنها «المعتدي الأول».
على مدى سنوات، أظهر “الكرملين” استعداده لمهاجمة الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، عادةً من خلال عمليات هجينة أو عمليات تقع في «المنطقة الرمادية»، وهي ليست أعمالًا حربية صريحة، بل تُنفذ بطريقة تحيط بها هالة من إمكانية الإنكار، وقد وجدت إحدى الدراسات أن ما لا يقل عن «151 حادثة تخريب صناعي مؤكدة بتوجيه روسي في “أوروبا” بين فبراير 2022 وفبراير 2026» قد وقعت، فيما شهدت عطلة نهاية الأسبوع الماضية تقارير موثوقة عن نية روسية لاغتيال مسؤولين تنفيذيين في شركات دفاع أوروبية رئيسية.
ما الذي ينبغي للحلفاء السابقين للـ”ولايات المتحدة” فعله إزاء هذا الواقع الجديد؟.. تتمثل المهمة الأولى في مواصلة دعم “أوكرانيا”، وبمزيد من القوة والحماس، خصوصًا أن “واشنطن” غيّرت جانبها فعليًا، أما المهمة الثانية، فهي تجنب خطأ يلوح في الأفق، فمن المتوقع أن تحقق انتخابات التجديد النصفي، التي لم يتبقَّ على موعدها سوى ما يزيد قليلًا على أسبوعين، مكاسب كبيرة للديمقراطيين، وأن توجه ضربة قوية إلى “ترمب، وإذا استعاد الديمقراطيون السيطرة على أحد مجلسي “الكونغرس” أو كليهما، فسيُغري ذلك عددًا كبيرًا من القادة الأوروبيين بالتنفس بارتياح، والاستنتاج بأن العاصفة البرتقالية قد مرت، وأن العلاقات الطبيعية عبر الأطلسي على وشك أن تعود إلى مسارها المعتاد، وسيكون ذلك خطأ فادحًا.
فمن ناحية، وعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي ظل طوال معظم العامين الماضيين غير مقيد بالرقابة التي يفرضها “الكونغرس”، فإنه ليس من المؤكد أن “ترمب” المقيّد سيكون ترمبًا مروّضًا، بل على العكس، يحذر أحد المطلعين على شؤون “واشنطن” من أنه قد يتحول إلى «حيوان محاصر»، فيصبح أكثر تطرفًا في المجال الذي يتمتع فيه الرئيس بأكبر قدر من الحرية في التصرف، وهو السياسة الخارجية.
وبالطبع، سيرحل “ترمب” في نهاية المطاف، لكن هذا أيضًا ينطوي على خطر الاطمئنان الزائف، وقال لي وزير بريطاني سابق: «هذا التحول دائم»، وإذا لم يكن هناك شيء آخر، فقد أثبت “ترمب” أن ظاهرة “ترمبط والترمبية يمكن أن تتكررا؛ فنحن نعلم الآن أن التحالف الغربي ليس مضمونًا ولا راسخًا إلى حد لا يتزعزع، بل إنه عرضة للتأثر بتغير المناخ السياسي في “الولايات المتحدة”، كل هذا يعني أننا نعيش في عالم أصبح أكثر خطورة من أي وقت مضى.
ويكفي أن نطالع كتاب “جدعون راخمان” الجديد، «الحرب مهتمة بك»، الذي يستند إلى تقارير موسعة ويكشف مدى الجدية التي ينظر بها كبار صناع السياسات إلى خطر اندلاع حرب عالمية ثالثة، إنه عصر لم يعد بإمكاننا فيه الاعتماد على الآخرين للدفاع عنا، والدرس المثير للرعب الذي تكشفه واقعة «ستارلينك» بالنسبة إلى أولئك الذين يعتمدون على الأجهزة أو البرمجيات الأميركية، هو أن الولايات المتحدة تحتفظ دائمًا بزر إيقاف التشغيل، وبعبارة أخرى، يتعين على “بريطانيا” وبقية “أوروبا” أن تكونا قادرتين على الدفاع عن نفسيهما، باستخدام جيوشهما وأسلحتهما الخاصة.