باكستان وأفغانستان.. نزاع التاريخ والحدود
في ظل غياب الثقة، واستمرار الاتهامات المتبادلة
- السيد التيجاني
- 12 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- أفغانستان, إسلام آباد, الصراع الباكستاني الأفغاني, باكستان, كابول
لم تعد العلاقات بين أفغانستان وباكستان مجرد خلافات حدودية متفرقة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في جنوب آسيا. فبعد أن راهنت إسلام آباد على أن عودة حركة طالبان إلى السلطة في كابول عام 2021 ستوفر لها عمقاً أمنياً واستقراراً على الحدود، جاءت التطورات بعكس التوقعات، إذ تصاعدت الهجمات المسلحة داخل باكستان، وتبادل الطرفان الاتهامات، ووصل الأمر إلى مواجهات عسكرية مباشرة وغارات عبر الحدود.
خط ديورند.. جذور الأزمة الممتدة
يرى معظم الباحثين أن أصل الخلاف يعود إلى خط ديورند الذي رسمته بريطانيا عام 1893، ويبلغ طوله نحو 2600 كيلومتر.
وتعتبر باكستان الخط حدوداً دولية نهائية، بينما رفضت الحكومات الأفغانية المتعاقبة الاعتراف به بصورة كاملة، معتبرة أنه قسّم القبائل البشتونية بين البلدين بصورة مصطنعة، وهو ما جعل الحدود مصدراً دائماً للاحتكاكات السياسية والعسكرية.
طالبان والحسابات الباكستانية
عندما استعادت طالبان السلطة، توقعت إسلام آباد أن تساعد الحركة في القضاء على الجماعات المسلحة المناهضة لباكستان، وفي مقدمتها حركة طالبان باكستان (TTP).
لكن الواقع كان مختلفاً، إذ تؤكد السلطات الباكستانية أن الحركة واصلت تنفيذ هجمات انطلاقاً من الأراضي الأفغانية، بينما تنفي كابول باستمرار السماح باستخدام أراضيها ضد أي دولة، وتتهم باكستان بمحاولة تحميلها مسؤولية مشكلاتها الأمنية الداخلية.
الأمن.. العقدة الرئيسية
تقول الحكومة الباكستانية إن الملف الأمني هو القضية الأكثر إلحاحاً، إذ تتهم حركة طالبان الأفغانية بعدم اتخاذ إجراءات حاسمة ضد عناصر طالبان باكستان.
وفي المقابل، تؤكد حكومة كابول أن الحل لا يكون عبر الغارات الجوية أو العمليات العسكرية داخل الأراضي الأفغانية، بل من خلال الحوار والتنسيق الأمني بين البلدين.
اشتباكات متكررة وتصعيد عسكري
خلال عام 2026 تصاعدت المواجهات بصورة غير مسبوقة، حيث نفذت باكستان ضربات جوية داخل أفغانستان قالت إنها استهدفت مواقع لمسلحين، بينما أعلنت السلطات الأفغانية سقوط مدنيين واتهمت إسلام آباد بانتهاك سيادتها، وردت بتحركات عسكرية على الحدود، ما دفع مراقبين إلى وصف الوضع بأنه يقترب من “حرب مفتوحة”.
الاقتصاد يدفع الثمن
أثرت الأزمة بشكل مباشر على التجارة الثنائية، إذ أُغلقت المعابر الحدودية أكثر من مرة، وتعطلت حركة الشاحنات والبضائع.
كما انعكس التوتر على أسعار السلع داخل أفغانستان، وأضر بالصادرات الباكستانية إلى آسيا الوسطى، في وقت تعتمد فيه كابول بصورة كبيرة على الموانئ والطرق الباكستانية للوصول إلى الأسواق العالمية.
أزمة اللاجئين
يستضيف الجانب الباكستاني ملايين اللاجئين الأفغان منذ عقود.
وخلال الفترة الأخيرة، نفذت السلطات الباكستانية حملات لإعادة أعداد كبيرة منهم إلى أفغانستان، معتبرة أن وجود مهاجرين غير مسجلين يمثل تحدياً أمنياً، بينما انتقدت منظمات حقوقية تلك الإجراءات، محذرة من آثارها الإنسانية.
يرى الباحث الباكستاني مايكل كوغلِمان أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بخلاف حدودي، بل بانهيار الثقة بين الجانبين، موضحاً أن باكستان أصبحت تعتبر ملف طالبان باكستان تهديداً وجودياً لأمنها الداخلي.
أما الباحث عبد السيد، المتخصص في شؤون الجماعات المسلحة، فيؤكد أن استمرار نشاط طالبان باكستان سيجعل أي تقارب سياسي بين كابول وإسلام آباد هشاً وقابلاً للانهيار عند أول هجوم كبير.
ويشير الباحث الأمريكي مارفن واينباوم إلى أن البلدين لا يستطيعان تحمل مواجهة طويلة، لأن كليهما يعاني أزمات اقتصادية وأمنية، ما يجعل الحوار الخيار الأقل كلفة.
ردود الفعل الإقليمية
دعت الصين مراراً إلى ضبط النفس، نظراً لأن استقرار الحدود يخدم مشروعاتها الاقتصادية، وعلى رأسها الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.
كما شجعت قطر ودول إقليمية أخرى الحوار بين الطرفين، فيما أعربت الأمم المتحدة عن قلقها من سقوط ضحايا مدنيين جراء العمليات العسكرية المتبادلة.
من المستفيد؟
يرى محللون أن المستفيد الأول من استمرار التوتر هو التنظيمات المسلحة، التي تستغل انعدام الثقة لتوسيع نشاطها.
كما تستفيد شبكات التهريب والجريمة المنظمة من ضعف السيطرة على الحدود، في حين تخسر الحكومتان اقتصادياً وسياسياً وأمنياً.
ويؤكد خبراء أن استمرار الأزمة يمنح بعض القوى الإقليمية والدولية مساحة أكبر لتعزيز نفوذها في جنوب آسيا، عبر استثمار الخلاف بين الجارتين.
هل توجد حلول؟
يرى خبراء أن إنهاء الأزمة يتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، تشمل:
إنشاء آلية أمنية مشتركة لتبادل المعلومات.
استئناف الحوار السياسي المباشر بصورة منتظمة.
منع استخدام أراضي أي طرف لشن هجمات على الطرف الآخر.
إعادة فتح المعابر التجارية بصورة مستقرة.
تعزيز دور الوسطاء الإقليميين، خصوصاً الصين وقطر، لتقريب وجهات النظر.
معالجة قضية خط ديورند عبر ترتيبات عملية تقلل الاحتكاكات حتى دون التوصل إلى تسوية نهائية.
مستقبل العلاقات
رغم حدة التصعيد، يستبعد كثير من الخبراء تحول الأزمة إلى حرب شاملة، لأن البلدين يدركان أن تكلفة المواجهة ستكون مرتفعة للغاية في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة والتحديات الأمنية الداخلية.
ومع ذلك، فإن غياب الثقة، واستمرار الاتهامات المتبادلة، وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة، يجعل العلاقات بين كابول وإسلام آباد مرشحة للبقاء في دائرة التوتر، ما لم ينجح الطرفان في بناء تفاهمات أمنية وسياسية مستدامة تنقل العلاقة من منطق المواجهة إلى منطق إدارة الخلاف.
