الوساطة القطرية الباكستانية بين التراجع ومحاولات إحياء مذكرة التفاهم

انعدام الثقة بين واشنطن وطهران يضيق الخيارات

أعاد تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، بعد أشهر من الضربات العسكرية المتبادلة والاتهامات بشأن البرنامج النووي، طرح تساؤلات حول أسباب غياب الوسطاء الذين لعبوا أدواراً مؤثرة في مراحل سابقة، وفي مقدمتهم قطر وباكستان، وما إذا كانت هناك فرصة لإحياء مذكرة التفاهم غير المعلنة التي حكمت العلاقة بين الجانبين خلال الفترة الماضية، أم أن التطورات الأخيرة دفعت الطرفين إلى البحث عن إطار تفاوضي جديد يختلف عن التفاهمات السابقة.

وخلال الأعوام الماضية نجحت قطر في لعب دور الوسيط الرئيسي بين واشنطن وطهران، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة بالطرفين، بينما برزت باكستان كقناة اتصال غير مباشرة بحكم علاقاتها الأمنية والسياسية مع إيران والولايات المتحدة، فضلاً عن موقعها الجغرافي وحساسيتها تجاه أي تصعيد عسكري في الخليج

غياب قطر وباكستان عن المشهد

إلا أن غياب الدوحة وإسلام آباد عن واجهة الوساطة خلال الأزمة الحالية يعود إلى عدة أسباب. أولها أن مستوى انعدام الثقة بين واشنطن وطهران أصبح أكبر من قدرة أي وسيط منفرد على تجاوزه، خاصة بعد الضربات العسكرية الأخيرة، إذ باتت الأولوية لدى الطرفين إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة قبل الدخول في أي مفاوضات.

أما السبب الثاني فيتعلق بانشغال قطر بعدة ملفات إقليمية معقدة، إلى جانب حرصها على عدم استنزاف رصيدها الدبلوماسي في وساطة قد تفشل إذا لم تتوافر إرادة سياسية حقيقية لدى الطرفين.

وفي المقابل، تواجه باكستان ظروفاً داخلية وأمنية معقدة، فضلاً عن سعيها إلى تجنب الانخراط في أي أزمة قد تضعها في مواجهة مع أحد الطرفين، خصوصاً في ظل علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن، وحاجتها في الوقت نفسه إلى الحفاظ على علاقات مستقرة مع إيران لضبط أمن الحدود المشتركة

الوسطاء واستئناف الحوار

ورغم هذا الغياب النسبي، لا يعني ذلك انتهاء دور الوسطاء، إذ تشير تجارب الأزمات السابقة إلى أن الوساطات غالباً ما تبدأ بعيداً عن الأضواء، وقد تعود الدوحة أو سلطنة عمان أو أطراف أوروبية للقيام بدور أكثر نشاطاً إذا ظهرت مؤشرات على استعداد الجانبين لاستئناف الحوار.

ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن إحياء مذكرة التفاهم السابقة؟

الإجابة تبدو معقدة، لأن الظروف التي أفرزت تلك التفاهمات تغيرت بصورة كبيرة. فقد كانت المذكرة تقوم على تفاهمات غير مكتوبة شملت تخفيف بعض الضغوط الاقتصادية مقابل ضبط مستويات تخصيب اليورانيوم، وتبادل السجناء، ومنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة.

لكن التطورات الأخيرة أدت إلى انهيار معظم عناصر تلك التفاهمات، وأصبح من الصعب العودة إليها بالشكل نفسه، خاصة بعد ارتفاع سقف المطالب الأمريكية، وتمسك إيران بالحصول على ضمانات بعدم تكرار الانسحاب الأمريكي من أي اتفاق مستقبلي.

لذلك يرجح عدد من المراقبين أن يكون الحديث مستقبلاً عن اتفاق جديد أو “تفاهم مرحلي” يتناسب مع الوقائع الجديدة، بدلاً من مجرد إحياء المذكرة القديمة.

وقد يتضمن أي تفاهم جديد تجميداً جزئياً للأنشطة النووية الإيرانية مقابل تخفيف محدود للعقوبات، مع إنشاء آلية رقابة أكثر وضوحاً، وإجراءات متبادلة لخفض التصعيد العسكري في الخليج والعراق وسوريا

حوافز اقتصادية حقيقية

لكن نجاح هذه الجهود يظل مرهوناً بعدة عوامل، أهمها استعداد الإدارة الأمريكية لتقديم حوافز اقتصادية حقيقية، وقبول إيران بقيود إضافية على برنامجها النووي، فضلاً عن قدرة الوسطاء على توفير ضمانات للطرفين.

أما احتمال اندلاع حرب جديدة، كما حدث في موجة التصعيد السابقة، فلا يزال قائماً، لكنه ليس السيناريو الأكثر ترجيحاً.

فالولايات المتحدة تدرك أن أي حرب واسعة مع إيران ستكون مرتفعة التكلفة، وقد تؤدي إلى تعطيل الملاحة في الخليج، وارتفاع أسعار النفط عالمياً، واتساع نطاق المواجهة ليشمل حلفاء واشنطن في المنطقة.

وفي المقابل، تدرك إيران أن الدخول في مواجهة مفتوحة قد يعرّض بنيتها العسكرية والاقتصادية لضغوط غير مسبوقة، خاصة في ظل استمرار العقوبات والأوضاع الاقتصادية الصعبة.

ولهذا يبدو أن الطرفين يفضلان حتى الآن سياسة “الردع المتبادل”، أي توجيه رسائل عسكرية محسوبة دون الوصول إلى حرب شاملة.

ومع ذلك، يبقى خطر الحسابات الخاطئة قائماً، إذ قد يؤدي أي هجوم غير محسوب أو استهداف لإحدى القواعد العسكرية أو المصالح الحيوية إلى انفجار الموقف بصورة يصعب احتواؤها

خيارات التسوية

في المقابل، توجد مؤشرات تدفع نحو خيار التسوية، منها حاجة واشنطن إلى تجنب فتح جبهة جديدة تستنزف قدراتها، ورغبة إيران في تخفيف الضغوط الاقتصادية واستعادة جزء من صادراتها النفطية، إضافة إلى حرص القوى الإقليمية على منع تحول الخليج إلى ساحة حرب مفتوحة.

وفي المحصلة، فإن غياب الوسيطين القطري والباكستاني لا يعني نهاية جهود الوساطة، بل يعكس تعقيد المرحلة الحالية وحاجة الطرفين أولاً إلى استعادة الحد الأدنى من الثقة. كما أن فرص إحياء مذكرة التفاهم السابقة تبدو محدودة بصيغتها القديمة، بينما تزداد احتمالات التوصل إلى تفاهم جديد أكثر واقعية يركز على إدارة الأزمة ومنع الانفجار بدلاً من حل جميع الخلافات دفعة واحدة.

 

وبين خيار الحرب والتسوية، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار التوتر تحت سقف الردع المتبادل، مع بقاء الباب مفتوحاً أمام مفاوضات جديدة إذا نجحت الوساطات في إعادة قنوات الاتصال بين واشنطن وطهران

اترك تعليقا