الملف النووي السوري يعود إلى الواجهة.. ماذا تخفي 73 طناً من اليورانيوم؟
مصدر جديد للقلق النووي في الشرق الأوسط
- السيد التيجاني
- 2 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- السلطات السورية, الشرق الأوسط, الطاقة الذرية, كوريا الشمالية, معدن اليورانيوم, منشأة دير الزور
أعاد تقرير سري للوكالة الدولية للطاقة الذرية فتح ملف البرنامج النووي السوري السابق على مصراعيه، بعدما أكدت الوكالة أن موقعاً في دير الزور كان يضم مفاعلاً نووياً قيد الإنشاء، وأن السلطات السورية السابقة لم تعلن عن المفاعل أو المنشآت والمواد النووية المرتبطة به.
لكن التطور الأهم لا يتعلق بالمفاعل وحده. فقد تحققت فرق الوكالة من وجود نحو 73 طناً من معدن اليورانيوم الطبيعي في موقع سوري لم يكن معلناً سابقاً، بينها نحو 55 طناً في صورة قضبان وقود. وتخضع المواد حالياً لإجراءات الاحتواء والمراقبة الدولية، بحسب رويترز.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة أسئلة ظلت بلا إجابات منذ تدمير منشأة دير الزور بغارة إسرائيلية عام 2007: ما طبيعة المشروع الذي كان يجري بناؤه؟ وإلى أي مرحلة وصل؟ وما الغرض من إنتاج الوقود داخل سوريا؟ وهل كان المشروع جزءاً من برنامج نووي سري أوسع؟
دليل جديد على طبيعة منشأة دير الزور
على مدى سنوات، ظل موقع دير الزور أحد أكثر الملفات النووية غموضاً في الشرق الأوسط. فقد دمر الموقع قبل أن يبدأ العمل فيه، ثم جرى تسويته، ما جعل عملية التحقق من طبيعته مهمة شديدة الصعوبة.
غير أن زيارة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أغسطس/آب 2026 غيرت مستوى الأدلة المتاحة.
ففي 29 أغسطس/آب، توجه المفتشون إلى الموقع لمتابعة أعمال الحفر، وفحصوا بنية تبريد ظهرت في المكان. وخلصت الوكالة إلى أن هذه البنية تتوافق مع بنية مفاعل نووي. ولم تكتف الوكالة بالقول إن الموقع “مشتبه به”، بل أكدت أن المعلومات التي جمعتها والنتائج التي توصلت إليها تسمح بإثبات أن السلطات السورية السابقة أخفقت في إعلان مواد ومنشآت وأنشطة نووية كان يتعين الإعلان عنها، بحسب المونيتور +١
وهذه النقطة تمثل تحولاً مهماً في القضية؛ إذ انتقل الملف من دائرة الشكوك والتقديرات الاستخباراتية إلى مستوى أقوى من التحقق الفني الذي أجرته هيئة دولية متخصصة.
مشروع لم يكن منشأة منفردة
يكشف التقرير أن قضية دير الزور لم تكن مرتبطة بمبنى واحد فقط.
فقد حددت الوكالة ثلاثة مواقع مرتبطة وظيفياً بالموقع الرئيسي، أحدها كان مرتبطاً بأنشطة تحويل أو تصنيع الوقود، بينما استخدم موقع آخر لتخزين مواد البناء بصورة مؤقتة، وارتبط موقع ثالث بمواد كانت تنقل من وإلى منشأة دير الزور، فضلاً عن أنشطة إعادة معالجة كانت مخططة.
وتكتسب مسألة تصنيع الوقود أهمية خاصة؛ لأنها تشير إلى أن المشروع لم يكن مجرد منشأة قيد الإنشاء معزولة عن باقي البنية النووية، بل كانت هناك أنشطة مرتبطة بتوفير الوقود الذي كان سيحتاج إليه المفاعل.
وهذا التطور يفتح باباً جديداً للتحقيق: هل كانت هذه المنشآت جزءاً من منظومة واحدة جرى توزيعها على مواقع مختلفة لتقليل إمكانية اكتشافها، أم أنها كانت مشاريع منفصلة جرى ربطها لاحقاً بالمفاعل؟
التقرير الحالي يثبت وجود علاقة وظيفية بينها، لكنه لا يقدم بمفرده إجابة نهائية عن كل تفاصيل التخطيط الإداري والفني للمشروع.
73 طناً من اليورانيوم.. ماذا تعني؟
الرقم الأكثر إثارة في التقرير هو 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي.
فالوكالة تحققت من وجود هذه الكمية في موقع لم يكن معلناً سابقاً، بعدما أبلغتها دمشق بوجوده في يوليو/تموز ودعتها إلى تفتيشه والتحقق من المواد الموجودة فيه.
وبحسب النتائج، كان اليورانيوم في صورة معدن طبيعي، وبين الكمية قضبان وقود مغلفة. وتخضع المواد حالياً لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
لكن من الضروري عدم الخلط بين اليورانيوم الطبيعي والمواد المستخدمة مباشرة في صناعة الأسلحة النووية.
وجود عشرات الأطنان من اليورانيوم الطبيعي لا يعني أن سوريا كانت تمتلك قنبلة نووية، ولا يعني تلقائياً أن المادة كانت مخصبة إلى مستويات عسكرية. فالانتقال من اليورانيوم الطبيعي إلى مواد قابلة للاستخدام في سلاح نووي يتطلب عمليات وتقنيات ومراحل أخرى.
مع ذلك، فإن أهمية الكمية ترتبط بموقعها وشكلها وعلاقتها بالمشروع النووي السابق.
فوجود اليورانيوم في صورة قضبان وقود، إلى جانب إثبات وجود منشأة لتصنيع الوقود مرتبطة بمفاعل دير الزور، يجعل المادة جزءاً مهماً من الصورة التي تحاول الوكالة إعادة بنائها.
رافائيل غروسي.. التعاون السوري يغير قواعد التحقيق
يمثل موقف المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، أحد أبرز التطورات السياسية في القضية.
فالوكالة أشادت بما وصفته بالتعاون والشفافية من جانب السلطات السورية الجديدة، مؤكدة أن دمشق قدمت معلومات عن المواد النووية وبيانات تصميم للمنشآت، وسمحت للمفتشين بالوصول إلى المواقع.
وهذا التعاون كان حاسماً في تحقيق تقدم لم يكن ممكناً خلال سنوات حكم النظام السابق.
ومن وجهة نظر الوكالة، فإن القضية لم تعد مجرد محاولة لمعرفة ما إذا كان موقع دير الزور مفاعلاً نووياً، وإنما أصبحت عملية شاملة لحصر المواد والمنشآت المرتبطة بالمشروع والتحقق من مكانها ووضعها الحالي، بحسب رويترز.
ويحمل ذلك دلالة سياسية كبيرة بالنسبة إلى دمشق الجديدة، إذ يمكن للتعاون الكامل مع الوكالة أن يساعدها في إغلاق ملف دولي حساس من إرث النظام السابق، وفي الوقت نفسه بناء ثقة مع المؤسسات الدولية.
أسعد الشيباني: الطاقة النووية للاستخدام السلمي
في المقابل، تحاول السلطات السورية الجديدة تقديم الملف ضمن إطار مختلف عن الصورة التي ارتبطت بالنظام السابق.
وقد أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني تمسك بلاده بحقها في استخدام الطاقة النووية للأغراض المدنية والسلمية، في إشارة إلى رغبة دمشق في الفصل بين إرث البرنامج السابق وبين رؤيتها المستقبلية للطاقة النووية.
وهذه الرسالة مهمة بالنسبة إلى سوريا؛ فالتعاون مع الوكالة لا يتعلق فقط بكشف الماضي، وإنما يمكن أن يكون مدخلاً إلى تطوير استخدامات سلمية للطاقة النووية مستقبلاً، إذا توافرت الظروف السياسية والاقتصادية والفنية اللازمة.
وفي هذا السياق، تصبح الرقابة الدولية عنصراً أساسياً. فكلما كانت المواد والمنشآت خاضعة للرقابة، أصبحت قدرة دمشق على إثبات سلمية أي نشاط نووي مستقبلي أكبر.
ماذا كان هدف نظام الأسد؟
هنا تبقى أكبر الأسئلة دون إجابة كاملة.
التقرير يؤكد وجود مفاعل قيد الإنشاء، ومنشآت مرتبطة بالوقود، ومواد نووية لم تكن معلنة. لكنه لا يعني بمفرده أن الوكالة أثبتت أن القيادة السورية كانت تمتلك خطة مكتملة لصناعة سلاح نووي.
وهذه نقطة مهمة في قراءة الملف.
فالوكالة تستطيع إثبات وجود أنشطة ومواد لم يتم الإعلان عنها، لكنها تحتاج إلى أدلة إضافية لتحديد الهدف النهائي للمشروع، وطبيعة القرارات السياسية التي كانت تقف خلفه، ومدى ارتباطه بأي برنامج تسليحي.
وقد سبق لخبراء نوويين أن حذروا من القفز من إثبات وجود نشاط نووي سري إلى استنتاج امتلاك برنامج أسلحة نووية مكتمل.
ويظل السؤال الأساسي: لماذا كانت سوريا تبني هذا المفاعل بصورة سرية، ولماذا لم تعلن عنه للوكالة؟
الإجابة الكاملة قد تكون موجودة في وثائق النظام السابق، أو سجلات المشتريات، أو شهادات المسؤولين والعلماء الذين شاركوا في المشروع.
كوريا الشمالية.. الحلقة الأكثر حساسية
تعود في هذا الملف أيضاً مسألة التعاون المفترض بين سوريا وكوريا الشمالية.
فمنذ سنوات، ارتبط اسم بيونغ يانغ بمشروع دير الزور، وسط تقديرات بأن المفاعل السوري كان يستند إلى تصميم مشابه لمنشآت نووية كورية شمالية.
وتزداد حساسية هذه المسألة بسبب طبيعة المفاعل الذي كان يجري بناؤه، والشكوك القديمة بشأن إمكانية استخدامه لإنتاج البلوتونيوم.
لكن التقرير الجديد، رغم تأكيده طبيعة المنشأة، لا يحسم وحده كل التفاصيل المتعلقة بالدور الكوري الشمالي أو حجم المساعدة التي ربما قدمتها بيونغ يانغ.
ولهذا فإن كشف الوثائق السورية القديمة قد يكون أكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة من مجرد استمرار عمليات التفتيش الميداني.
إسرائيل.. ضربة 2007 تعود إلى النقاش
من المستحيل فصل التطورات الحالية عن الغارة الإسرائيلية التي دمرت منشأة دير الزور عام 2007.
في ذلك الوقت، كان العالم أمام معلومات استخباراتية متضاربة حول طبيعة الموقع. وبعد تدميره، أصبح الحصول على أدلة مادية أكثر صعوبة، خصوصاً بعد عمليات إزالة آثار المنشأة.
لكن إسرائيل كانت قد أكدت لاحقاً مسؤوليتها عن تدمير المفاعل، بينما ظلت سوريا لسنوات ترفض الاعتراف بأن الموقع كان منشأة نووية.
اليوم، وبعد مرور نحو عقدين، تأتي نتائج المفتشين لتضيف إلى الرواية الدولية أدلة مادية جديدة.
وهكذا، فإن الضربة التي كانت في حينها موضع جدل سياسي وأمني أصبحت جزءاً من ملف تقني تعيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية بناء تفاصيله خطوة بعد أخرى.
الخبراء: الكشف مهم لكن لا يكفي وحده
يرى خبراء في منع الانتشار النووي أن التطورات السورية مهمة لأنها تقدم للوكالة فرصة نادرة لاستكمال ملف ظل مفتوحاً لسنوات.
وكان أولي هاينونن، نائب المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، من الخبراء الذين تابعوا القضية السورية منذ بداياتها، وقد شدد في تحليلات سابقة على أهمية الوصول إلى المواقع المرتبطة بدير الزور وفحص المواد والأنشطة المرتبطة بها.
ومن منظور فني، فإن وجود مفاعل قيد الإنشاء مع منشأة لتصنيع الوقود ومخزون كبير من اليورانيوم يقدم صورة أكثر اتساقاً من الأدلة المنفردة التي كانت متاحة سابقاً.
لكن الخبراء يميزون بين ثلاثة أمور: وجود نشاط نووي غير معلن، ووجود برنامج نووي سري، ووجود برنامج أسلحة نووية.
والتقرير الحالي يحسم بدرجة كبيرة النقطة الأولى، ويقدم أدلة قوية على الثانية، لكنه لا يساوي تلقائياً بين ذلك وبين امتلاك سلاح نووي.
ردود الفعل الدولية.. ارتياح وقلق في الوقت نفسه
التطور السوري قوبل باهتمام دولي واسع، خصوصاً بسبب قدرة الوكالة على تحقيق تقدم في ملف ظل عالقاً لسنوات.
ويبرز في ردود الفعل اتجاهان.
الأول يرى أن تعاون دمشق يمثل خطوة إيجابية تسمح للوكالة باستعادة السيطرة على ملف حساس، ووضع المواد النووية تحت رقابة دولية.
أما الاتجاه الثاني فيركز على ما كشفه التعاون نفسه: وجود منشآت ومواد وأنشطة لم تكن معلنة في عهد النظام السابق.
وبالتالي، فإن كل إجابة جديدة تقدمها دمشق قد تؤدي في الوقت نفسه إلى إغلاق سؤال قديم وفتح أسئلة أخرى.
سوريا وإيران.. مقارنة لافتة
يزداد وزن التطور السوري بسبب تزامنه مع استمرار أزمة البرنامج النووي الإيراني.
ففي الوقت الذي تمكنت فيه الوكالة من إحراز تقدم في سوريا بعد حصولها على المعلومات والوصول إلى المواقع، تقول الوكالة إنها لم تتمكن من استعادة القدرة الكاملة على التحقق من مخزونات إيران النووية بعد الضربات التي تعرضت لها منشآت إيرانية.
وهنا يظهر الفارق بوضوح: التعاون والوصول إلى المواقع يمنحان الوكالة القدرة على التحقق، بينما يؤدي غياب الوصول إلى بقاء الأسئلة مفتوحة.
ولهذا فإن التجربة السورية قد تصبح نموذجاً مهماً في النقاش الدولي حول كيفية التعامل مع الملفات النووية غير المحسومة في مناطق الصراع.
ماذا سيحدث للـ73 طناً؟
ربما يكون مصير اليورانيوم هو الاختبار الأهم خلال المرحلة المقبلة.
فالمواد أصبحت تحت إجراءات الاحتواء والمراقبة التابعة للوكالة، ما يقلل مخاطر فقدان السيطرة عليها أو نقلها دون علم الهيئة الدولية.
لكن السؤال طويل الأمد سيكون: هل ستبقى داخل سوريا؟ وهل ستستخدم مستقبلاً ضمن برنامج نووي مدني يخضع للرقابة؟ أم ستتخذ دمشق قراراً بالتخلص منها أو نقلها إلى مكان آخر؟
أي قرار من هذا النوع ستكون له دلالة سياسية كبيرة.
كما أن استمرار عمليات الحفر في دير الزور قد يؤدي إلى العثور على بقايا أو منشآت أخرى تساعد على تحديد حجم المشروع الأصلي.
مرحلة جديدة في ملف قديم
ما يحدث الآن ليس مجرد اكتشاف موقع نووي قديم، بل إعادة بناء لملف أمني ظل غامضاً لما يقرب من عشرين عاماً.
فقد أثبتت الوكالة وجود مفاعل نووي كان قيد الإنشاء في دير الزور، وأكدت ارتباط مواقع أخرى بتصنيع الوقود والتخزين، وحددت نحو 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي، وأخضعت المواد للرقابة الدولية.
وفي الوقت نفسه، فإن التعاون الذي تبديه السلطات السورية الجديدة يمنح المجتمع الدولي فرصة لمعرفة المزيد عن برنامج النظام السابق، بعيداً عن الاعتماد على المعلومات الاستخباراتية وحدها.
لكن أخطر الأسئلة لم تُجب عنها كلها بعد: من اتخذ قرار إنشاء المشروع؟ ولماذا أخفي عن الوكالة؟ وما الدور الذي لعبته كوريا الشمالية؟ وإلى أي مدى وصل المشروع قبل تدميره؟ وهل كانت هناك مواقع أخرى لم تُكتشف بعد؟
هذه الأسئلة ستحدد مستقبل الملف.
أما الرقم الذي سيظل حاضراً في النقاش الدولي فهو 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي؛ ليس لأنه يثبت امتلاك سوريا سلاحاً نووياً، بل لأنه يمثل جزءاً مادياً من إرث نووي سري يعود إلى عهد الأسد، أصبح الآن للمرة الأولى أمام رقابة دولية مباشرة.
والاختبار الحقيقي للسلطات السورية الجديدة لن يكون فقط في الكشف عما تركه النظام السابق، وإنما في كيفية إدارة هذا الإرث، وضمان عدم تحوله من ملف تاريخي إلى مصدر جديد للقلق النووي في الشرق الأوسط.