العراق يفتح ملفاً جديداً في الأمن المائي
هل ينجح العراق في إنقاذ أمنه المائي؟
- dr-naga
- 2 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- أزمة المياه, التصحر, التغير المناخي, العراق, امن العراق المائي, شح المياه
الرائد// شهدت بغداد في 30 أغسطس 2026 اختتام مؤتمر «عراقنا الأخضر» الذي ركز على التحول البيئي وإدارة الموارد الطبيعية، مع طرح قضايا المياه والتصحر والتغير المناخي بوصفها تحديات مباشرة أمام مستقبل التنمية العراقية. ويأتي ذلك في وقت أصبح فيه شح المياه أحد أكثر الملفات إلحاحاً بالنسبة إلى العراق، بعدما تحولت المشكلة من قضية بيئية إلى عامل يؤثر في الزراعة والهجرة الداخلية والاستقرار الاقتصادي.
كيفية التعامل مع أزمة المياه والموارد الطبيعية
الحدث الأساسي هنا ليس انعقاد مؤتمر بيئي جديد بحد ذاته، وإنما انتقال النقاش الرسمي العراقي بصورة متزايدة إلى كيفية التعامل مع أزمة المياه والموارد الطبيعية باعتبارها قضية تنموية وأمنية في آن واحد.
وتزداد أهمية الملف لأن العراق يعتمد بدرجة كبيرة على نهري دجلة والفرات، بينما تواجه موارده المائية ضغوطاً متعددة تشمل انخفاض الواردات المائية، وتغير أنماط الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، وسوء إدارة بعض الموارد.
تغير المناخ وشح المياه
وتحذر المؤسسات الدولية منذ سنوات من أن تغير المناخ وشح المياه يمكن أن يضاعفا الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في العراق، خصوصاً على المجتمعات الزراعية.
وتشير النقاشات التي شهدها المؤتمر إلى أن المعالجة لا يمكن أن تقتصر على بناء السدود أو مطالبة دول الجوار بزيادة الإطلاقات المائية. فالعراق يحتاج أيضاً إلى تقليل الهدر داخل شبكات الري، وتحديث أساليب الزراعة، وإعادة تأهيل شبكات المياه، واستخدام تقنيات أكثر كفاءة في استهلاك المياه.
وهذه النقطة هي الأكثر حساسية، لأن جزءاً من المشكلة داخلي وليس خارجياً فقط. فالقطاع الزراعي العراقي يستهلك كميات كبيرة من المياه، بينما لا تزال طرق الري التقليدية مستخدمة على نطاق واسع في مناطق عديدة.
وتقول منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إن العراق من أكثر بلدان المنطقة تعرضاً لتأثيرات تغير المناخ، وإن ندرة المياه وملوحة الأراضي والتصحر أصبحت تهدد الإنتاج الزراعي وسبل عيش المجتمعات الريفية.
ويحذر خبراء المياه العراقيون من أن استمرار تراجع الموارد المائية قد يدفع المزيد من المزارعين إلى ترك أراضيهم، الأمر الذي يضيف ضغطاً على المدن ويزيد البطالة والفقر في المناطق التي تعتمد على الزراعة.
علاقة العراق بدول المنبع
لكن الجانب الآخر من القضية يتعلق بعلاقة العراق بدول المنبع. فبغداد تحتاج إلى اتفاقات طويلة الأجل مع تركيا وإيران بشأن المياه، إلا أن المفاوضات لا يمكن أن تكون بديلاً عن إصلاح إدارة المياه داخل العراق.
وهنا تظهر الحاجة إلى سياسة مائية مختلفة: التفاوض الخارجي من جهة، وإصلاح الاستهلاك المحلي من جهة أخرى.
وتكمن أهمية الحدث الأخير في أنه يضع البيئة والمياه ضمن النقاش الاقتصادي العراقي، وليس باعتبارهما ملفاً منفصلاً تديره وزارة البيئة فقط.
الرؤية المستقبلية
فالاستثمار في المياه يمكن أن يكون استثماراً في الاقتصاد نفسه. تحسين الري يعني حماية الزراعة، وتقليل التصحر يعني الحفاظ على الأراضي، وتحسين شبكات المياه يعني خفض الفاقد، وإعادة استخدام المياه المعالجة يمكن أن يوفر مورداً إضافياً للزراعة والصناعة.
لكن ذلك يتطلب إنفاقاً كبيراً، في وقت تعتمد فيه الموازنة العراقية بدرجة كبيرة على إيرادات النفط.
وهنا تظهر المفارقة: العراق يحتاج إلى استخدام عائدات النفط لتمويل التحول بعيداً عن اقتصاد شديد الاعتماد على النفط، وفي الوقت نفسه يواجه ضغطاً مالياً يجعل تمويل مشاريع المياه والبنية الأساسية أكثر صعوبة.
لذلك فإن نجاح السياسة الجديدة لن يقاس بعدد المؤتمرات أو الاستراتيجيات التي تعلنها الحكومة، بل بكمية المياه التي يتم توفيرها فعلياً، ومساحة الأراضي التي يتم إنقاذها من التصحر، وعدد المزارعين الذين يستطيعون الاستمرار في الإنتاج.
كما أن إشراك المحافظات والمزارعين يصبح ضرورياً. فالسياسة المائية التي تصدر من بغداد من دون معرفة ظروف المناطق الزراعية قد تفشل في التطبيق حتى لو كانت صحيحة من الناحية الفنية.
ويحتاج العراق كذلك إلى التعامل مع المياه بوصفها قضية اجتماعية. فحين ينخفض الإنتاج الزراعي وترتفع كلفة الغذاء، لا يدفع المزارع وحده الثمن، بل تتأثر الأسر في المدن أيضاً من خلال ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل.
وبالتالي فإن الحدث البيئي الأخير يعكس تحولاً مهماً في طبيعة النقاش العراقي: أزمة المياه لم تعد ملف