الكتاب الأبيض..كيف غيرت سيئول قواعد اللعبة مع الشمال؟
عقيدة التعايش السلمي بين الكوريتين
- dr-naga
- 18 مايو، 2026
- تقارير
- التعايش بين الكوريتين, الكتاب الأبيض, الكتاب الأبيض للوحدة 2026, سيئول, صراع الكوريتين, كوريا الجنوبية, كوريا الشمالية
أحدث “الكتاب الأبيض للوحدة 2026” تحولاً جذرياً في سياسة سيئول بتبنيه مبدأ التعايش بين “دولتين بحكم الأمر الواقع” بدلاً من السعي للاندماج الفوري. تتبنى إدارة الرئيس لي جاي-ميونغ واقعية سياسية جديدة تعطي الأولوية للتهدئة الميدانية على حساب الطموحات القومية التاريخية في شبه الجزيرة الكورية.
التحول التاريخي والتوجه السياسي الجديد
أصدرت وزارة الوحدة في كوريا الجنوبية “الكتاب الأبيض للوحدة 2026″، والذي كشف عن تحول تاريخي وغير مسبوق في سياسة سيئول الرسمية تجاه جارتها الشمالية.
ويتبنى الكتاب فلسفة سياسية جديدة تركز بالكامل على التعايش السلمي بين “دولتين بحكم الأمر الواقع”، متراجعاً بشكل واضح عن النهج التقليدي القائم على السعي النشط لإعادة التوحيد الفوري أو محاولة دمج النظامين. ويعكس هذا التوجه الجديد العقيدة السياسية لإدارة الرئيس “لي جاي-ميونغ” الحالية، والتي تمثل خطاً مغايراً تماماً لسياسات الضغط القصوى التي انتهجتها الإدارة المحافظة السابقة.
الركائز الثلاث لإدارة ملف العلاقات المشتركة
ويقوم هذا التحول الاستراتيجي على ثلاثة مبادئ حاكمة حددتها الوزارة كأعمدة للتعامل مع بيونغ يانغ، وهي: الاحترام المتبادل للنظام السياسي الحالي، والرفض القاطع لأي توحيد قائم على مبدأ “الامتصاص” أو إسقاط النظام الشمالي، والامتناع الكامل عن ممارسة أي أعمال عسكرية أو دعائية عدائية على طول الحدود. ويهدف هذا الإطار إلى نزع فتيل التوتر وبناء بيئة آمنة تضمن استقرار شبه الجزيرة الكورية كأولوية تسبق أي حديث عن الوحدة السياسية الاندماجية.
التغيير الهيكلي في المصطلحات واللغة الدبلوماسية
وقد تجلى هذا التغيير الجذري في لغة ومصطلحات الكتاب الأبيض مقارنة بالنسخ السابقة؛ حيث قفزت الإشارات إلى “السلام والتعايش السلمي” من 29 إلى 196 مرة، وزاد التركيز على “الحوار والمفاوضات” بشكل ملحوظ. وفي المقابل، شهد الكتاب تقليصاً حاداً لملفات الخلاف الحساسة؛ إذ تراجعت الإشارات إلى “حقوق الإنسان في كوريا الشمالية” من 156 إلى 26 مرة فقط، وانخفض ذكر مصطلح “الحرية” من 43 إلى 3 مرات، كما هبطت الإشارات الخاصة بملف “المنشقين الكوريين الشماليين” من 203 إلى 10 مرات فقط، تجنباً لاستفزاز نظام بيونغ يانغ.
المقاربة المرنة للملف النووي وإجراءات خفض التصعيد الميداني
وفيما يتعلق بالملف النووي، استبدل الكتاب عبارات نزع السلاح المتشددة بمصطلح أكثر مرونة ودبلوماسية وهو “شبه جزيرة كورية خالية من الأسلحة النووية”، طارحاً مقاربة مرحلية تبدأ ببناء الثقة، وتبادل الدعم الاقتصادي، وتطبيع العلاقات الدبلوماسية، وصولاً إلى نزع السلاح في نهاية المطاف. ولم يتوقف الأمر عند التنظير؛ بل استعرض الكتاب خطوات عملية اتخذتها سيئول لخفض التصعيد، مثل وقف إرسال المنشورات الدعائية عبر الحدود، وإيقاف البث الإذاعي عبر مكبرات الصوت الموجهة للشمال، ومحاولة إحياء الاتفاقية العسكرية المبرمة في 19 سبتمبر 2018 لمنع أي اشتباكات مسلحة عارضة.
الجمود الميداني الحالي والتصعيد الموازي من بيونغ يانغ
ورغم هذه اليد الممدودة من سيئول، يعترف الكتاب الأبيض بواقع ميداني معقد وحالة جمود تامة؛ حيث لم يتم تسجيل أي تبادل بشري أو تجاري بين البلدين منذ 5 سنوات. وتتزامن هذه المرونة الكورية الجنوبية مع تصلب موازٍ من كوريا الشمالية التي قامت مؤخراً بتعديل دستورها لشطب كل ما يتعلق بالتوحيد السلمي، واعتبار الجنوب “الدولة العدو الأولى”، مع إصدار الزعيم كيم جونغ أون أوامر عسكرية بتحصين الحدود وتحويلها إلى حصن منيع لمنع أي تواصل بين الشعبين.
المحصلة، يمثل الكتاب الأبيض لعام 2026 وثيقة لإعلان واقع سياسي جديد، يعيد صياغة الهوية السياسية لشبه الجزيرة الكورية من ساحة صراع لتوحيد قسري مؤجل، إلى فضاء يبحث عن تنظيم العيش المشترك بين جارتين مستقلتين. ورغم أن هذه “العقيدة الجديدة” تعكس مرونة دبلوماسية وواقعية سياسية من جانب سيئول لنزع فتيل الأزمات، إلا أن نجاحها يظل مرهوناً بمدى استجابة بيونغ يانغ المتصلبة، وقدرة الحكومة الكورية الجنوبية على الصمود أمام العواصف السياسية الداخلية والمعارضة المحافظة التي ترى في هذا التحول تنازلاً عن حلم الوحدة التاريخي.