الفكرة المركزية في كتاب مشروع تمكين الأمة المسلمة

حسن الدقي يكتب

تتمحور الفكرة المركزية في كتاب مشروع تمكين الأمة المسلمة، حول “آلية بناء التصورات الأساسية”، المتعلقة بمشروع الأمة المسلمة ورؤيتها الاستراتيجية، التي سوف تتدافع مع الرؤى الاستراتيجية للمشاريع الأممية المُتداعية عليها، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، في قوله: ﴿يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكلةُ إلى قصعتها، فقال قائلٌ: ومن قلةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ ولكنَّكم عُثْبَاءَ كعُثْبَاءِ السَّيلِ، وليُزعَنَّ اللهُ من صدور عدوَّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ اللهُ في قلوبكم الوَهَنَ. فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ! وما الوهنُ؟ قال: حُبُّ الدنيا وكراهية الموت). صحيح الترمذي

وإن آلية بناء التصورات الأساسية والمركزية، في مشروع الأمة المسلمة، ليست من إبداع البشر وال الجماعات الإسلامية، وليست مجرد اطروحات فكرية واستراتيجية؛ بل هي آلية شرعيّة أمر بها ربُّ العالمين، وعلَّمَها رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم لأمته، وذلك في قوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُونَكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء:65.

وهي الآلية التي سوف تجمع إلى جانب خضوع وانقياد الأمة المسلمة لربّها، الاستهداء بالسّنن الربانيّة لإدارة التدافع البشري، ووضوح الأحكام الشرعية التي سوف تُخرج شعوب الأمة المسلمة، من الوهدة التي سقطت فيها في القرنين الأخيرين من تاريخها، والتي أدّت إلى انكشاف الأمة المسلمة التاريخي الخطير، والذي تمثل في انهيار دولتها وخلافتها الجامعة، وذهاب ريحها، وسقوطها الكامل تحت أقدام أمم الكفر من شرق وغرب.

وعليه فإن الفكرة المركزيّة والرؤية الاستراتيجية في كتاب مشروع تمكين الأمة المسلمة، وفي الفصل الخامس منه، تتمثل في ضرورة إخضاع جميع الأزمات الأساسيّة، التي تعاني منها شعوب الأمة المسلمة على المستوى العالمي، إلى النّظر الشَّرعي والاجتهاد الجماعي من قبل العلماء الشَّرعيين والخُبراء في كافة الشؤون السياسيّة والاستراتيجية، مِنَ المُوالين لله ولرسوله وللمؤمنين؛ وبلورتهم واتفاقهم على قائمة الأزمات الكُبرى التي تواجهها الأمة، ابتداء من أزمة علاقة الأمة بما يسمى بالنظام الدولي، ومرورا بأزمات المذابح والانتهاكات الهائلة التي واجهتها شعوب الأمة ولا تزال تواجهها، في فلسطين، والسودان، واليمن، وماينمار، وايغور الصين، وكشمير، إلى غير ذلك، وصوال إلى أزمة علاقات الشعوب المسلمة بِمَنظُومات المُلك الجبري التي تحكمها، من أنظمة عسكرية، وجمهورية، وملكيّة وأدواتها القمعية من دساتير وجيوش وأجهزة أمنية.

ويتم كل ذلك وفق منهجية فقه النوازل التي ورثتها الأمة من أصول دينها، وشريعة ربّها، فيتم النّظر إلى تلك الأزمات كنوازل كبرى شاملة تواجهها شعوب الأمة في كل مكان؛ ذلك أن أزمة الشعب الإندونيسي إنما تتمثّل في علاقته بالجيش الإندونيسي الذي يأتمر بأمر الصليبية العالمية، كما هو حال أزمة الشعب الجزائري في علاقته بالجيش الذي يحكمه؛ فإذا اكتملت قائمة النوازل الكبرى باتفاق العلماء والخبراء الذين ينظرون فيها، وتمّ استيفاء كافة تفاصيل تلك النوازل، فقد اكتملت بذلك المرحلة الأولى من النّظر الشَّرعي في النوازل، وهي مرحلة توصيف النازلة، ثم تُستوفى بقية المراحل الثلاث، التي يقتضيها ويوجبها منهج فقه النوازل، فالمرحلة الثانية، هي مرحلة التوصيف والتكييف الفقهي، ثم المرحلة الثالثة، وهي مرحلة البحث والاستدلال، ثم المرحلة الرابعة، وهي مرحلة التمزيل والإفتاء.

وعند ذلك تتبلور الأحكام الشَّرعيَّة المتعلقة بالنوازل الكُبرى المعاصرة في الأمة المسلمة، وبذلك تتولَّد الأفكار المركزية التي سوف تشكل مشروع الأمة المسلمة الاستراتيجي؛ وإن أهم ما يستتبع هذه المهمة، هي مهمة بناء الرؤى الاستراتيجية في التدافع مع المشاريع الأممية وفي إصلاح شؤون الأمة المسلمة، وكيفية تفعيل وتعبئة طاقاتها البشرية؛ الأمر الذي يستوجب بناء الآليَّات والمشاريع التطبيقية، التي ستضمن بإذن الله الكريم، تنزيل تلك الرؤى إلى الميادين العمليَّة في الأمة المسلمة.

وبهذا الأداء الشَّرعي الذي أمر الله عز وجل به الأمة المسلمة، سوف تضمن الأمة خروجها من التناقضات الحادة والخطيرة، التي تعانيها شعوبها، نتيجة تعدد وتعارض المشاريع المطروحة في ساحاتها المختلفة، والتي تولَّدَتْ في ظل جماعات مُتفرِّقة ومُتشاحنة، وفي ظل انتماءات عِرْقِيَّة وقومِيَّة ضيِّقة، وفي ظل وَطَنِيَّاتٍ قُطْرِيَّة، قادت بِمُجَمَّلِها إلى صراعات فكرية وسياسية وعسكرية، وتشتيت لصالح أعداء المسلمين؛ وعليه فلن يُخرج شعوب الأمة المسلمة مما هي فيه من شحناء وبغضاء، بل وسفك دماء بعضهم البعض، إلا أن تخضع رقابُها لما أمرها به ربُّها في قوله سبحانه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءَ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) آل عمران:103.

اترك تعليقا