الفاشر تموت جوعا

د. حلمي الفقي يكتب

في قلب الصحراء الإفريقية الشاسعة، وفى شمال غرب السودان، تتغافل الإنسانية، وتتعامى عن واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، ألا وهى حصار أكثر من مليون ونصف المليون إنسان فى مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، يموتون الان جوعا وعطشا ومرضا أمام العالم بسبب حصار ظالم فرضته ميليشيات الدعم السريع على مدينة الفاشر المنكوبة

1 – الأهمية الجغرافية والتاريخية لمدينة الفاشر

مدينة الفاشر هى العاصمة التاريخية لسلطنة دارفور العربية المسلمة الضاربة فى أعماق التاريخ، وكانت الفاشر محطة رئيسية على طريق القوافل التجارية التى تربط بين دارفور خصوصا، والسودان عموما، وبين ليبيا ومصر شمالا، وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى غربا.

وتبلغ مساحة دارفور قرابة خمسمائة ألف كم، وهى بذلك تقترب من مساحة دولة مثل فرنسا، وتنقسم دارفور إلى خمس ولايات: شمال دارفور، وجنوب دارفور، وولاية فى الشرق، ورابعة فى الغرب، وخامسة فى الوسط، وكان لدارفور على مر التاريخ أهمية اقتصادية كبيرة، حيث يحوى باطنها على الكثير من المعادن النفيسة، وبها العديد من مناجم الذهب مثل: جبل علام، وجبل عبد الشكور، ويبلغ إنتاج دارفور من الذهب حوالى خمسين طنا من الذهب سنويا، وكانت هذه واحدة من أسباب اشتعال الحروب، وتأجيج الصراعات فى دارفور.

ومنذ اندلاع حرب دارفور الأولى فى العام 2003م، كانت الفاشر هى واحة الأمان لسائر ولايات دارفور الخمس، فاستضافت مقرات بعثة الأمم المتحدة، ومقرات الاتحاد الإفريقي، ونزح الناس إليها من كل مناطق القتال فى دارفور، مما زاد تعداد السكان فى الفاشر إلى أكثر من مليون ونصف المليون إنسان.

2 – أطراف الصراع

تدور رحى المعارك فى دارفور بين طرفين رئيسيين:

الطرف الأول:

ميليشيات الدعم السريع، وهى التى تفرض حصارا مميتا على مدينة الفاشر، ومنعت عنهم الماء والدواء والغذاء والكهرباء، وكل الحاجات الضرورية اللازمة للحياة، وقد أحكمت ميليشيات الدعم السريع سيطرتها على معظم ولايات ومدن دارفور، وإذا سقطت – لا قدر الله – فى يدها مدينة الفاشر، تكون قد سيطرت على دار فور كلها بولاياتها الخمس، وقد تحالف مع الدعم السريع بعض القبائل المحلية المسلحة مما أكسب الصراع بعدا عرقيا فى بعض جوانبه.

الطرف الثانى:

الجيش السودانى، وقد تحالفت معه بعض القبائل المحلية، والحركات المسلحة السودانية، مثل حركة تحرير السودان، وحركة العدل والمساواة.

3 – الفاشر تحت حصار مطبق، بين قصف يقتل، وجوع يفتك

بدأت الحرب فى السودان فى 15/4/2023م بهجوم غادر من ميليشيات الدعم السريع على مواقع القوات المسلحة السودانية، واستولت على العديد من المدن والأقاليم، وارتكبت جرائم مروعة، ومذابح رهيبة، وقتلوا الأطفال، واغتصبوا النساء، وبعد معارك ضارية تمكن الجيش السودانى من تحرير كامل ولاية الخرطوم العاصمة من تحت قبضة ميليشيات الدعم السريع، إلا أن ميليشيات الدعم السريع استولت على معظم أقاليم دارفور، وفى إبريل من العام 2024م فرضت الميليشيات حصارا محكما على مدينة الفاشر، والتى يقيم بها أكثر من مليون ونصف المليون إنسان، وخلال عام ونصف من الحصار القاتل على الفاشر اضطر أهلها إلى أكل أوراق الشجر، وعلف الحيوانات، ومات العشرات منهم جوعا وعطشا، ولم تكتف ميليشيات الدعم السريع بذلك فقصفت أحياء الفاشر السكنية بالمدفعية الثقيلة، وقصفت المرافق الصحية، والمؤسسات التعليمية، والبنية التحتية، فقطعت الطرق، وهدمت البنيان، وخربت العمران، وخرج أكثر من 90% من المستشفيات عن الخدمة، وانتشرت الأمراض والأوبئة، وحصدت الكوليرا اللعينة أرواح المئات، وأصابت الآلاف، وبخاصة فى مخيمات النزوح التى تفتقد المياه النظيفة والخدمات الضرورية، وانتشرت الكثير من الأمراض الفتاكة نتيجة الجوع والعطش وانهيار المرافق الصحية.

وأصبح الوضع فى الفاشر فوق احتمال البشر، مما اضطر الأمم المتحدة إلى وصف الأزمة الإنسانية فى السودان بأنها واحدة من أسوأ الكوارث أٌلإنسانية فى العالم، وذلك لأسباب كثيرة من أهمها ما يلي:

أ – شهدت السودان أكبر موجة هجرة ونزوح فى العالم، فقد نزح أكثر من 15 مليون إنسان داخل السودان، وخارجه.

ب- انهيار الخدمات الأساسية الضرورية، بسبب منع ميليشيات الدعم السريع عن المحاصرين الماء والغذاء والدواء والكهرباء، فتحولت حياتهم إلى جحيم لا يحتمله بشر.

4- إنسانية فقدت الإنسانية

فى إبريل من العام 2024م فرضت ميليشيات الدعم السريع الحصار المحكم على مدينة الفاشر، فزهقت نفوس الأبرياء جوعا وعطشا ومرضا، وانتشرت الأمراض المعدية القاتلة والتى حصدت الاف النفوس، وأمام هذه الكارثة المروعة أصدر مجلس الأمن قراره رقم 2736 فى 13/6/2024م ونص القرار على عدة مسائل هامة منها:

1- مطالبة ميليشيات الدعم السريع بإنهاء حصارها لمدينة الفاشر

2- الدعوة إلى وقف فورى للقتال فى الفاشر ومحيطها

3- حث جميع الأطراف على الالتزام بالقانون الدولى الإنساني.

4- الدعوة إلى تسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى جميع أنحاء السودان.

ورغم مرور أكثر من عام على صدور قرار مجلس الأمن لم تتحرك دولة واحدة فى الشرق أو الغرب لوقف هذه المجاعة، ووقفت الإنسانية تتفرج على الإنسان يموت جوعا وعطشا ومرضا، وكأن الإنسانية أصبحت بلا إنسانية، وكأن البشر باتوا وحوشا لا ترحم، هل ذلك لأن هذا الإنسان مسلم؟ أم لآن هذا الإنسان أسود، قد يكون هذا أو ذاك، والراجح أنهما الإثنين معا، وأصبحت مبادئ الأمم المتحدة، وقواعد القانون الدولى حبرا على ورق، فالغرب لا يعرف مبدأ المساواة أمام القانون إلا إذا كان هذا الإنسان غربيا غير مسلم

وحين بعث الله عز وجل إلي البشرية رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم أن الناس سواسية كأسنان المشط، وأن من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، مهما كانت هذه النفس مسلمة أو كافرة، غربية أم شرقية، بيضاء أم سوداء، تنكروا له، ورموه وأتباعه بأحط السمات ،وأوقح الصفات، ونسبوه إلى التطرف والإرهاب، لأنه يريد أن يقيم الحق والعدل بين البشر، ويسعي مخلصا إلى إرساء مبدأ المساواة أمام القانون، والغرب لا يريد مساواة مع الشرق، وغير المسلم يرفض المساواة مع المسلم أمام القانون.

وأخيرا

يجب على الإنسانية قاطبة، وعلى المسلمين خاصة، بذل كل جهد مستطاع لإنهاء كارثة حصار الفاشر، والكارثة الإنسانية فى السودان كله، قبل أن تأتي المجاعة والأمراض على من بقي فيها من البشر.

# د. حلمي الفقي

المصدر:جريدة الأمة الإلكترونية