العلاقة الصهيوهندية بين التحالف العسكري وأزمات الداخل الهندي

في ظل تنامي التعاون العسكري والتكنولوجي والسياسي

تشهد العلاقات بين الهند  وإسرائيل تصاعدًا غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، في ظل تنامي التعاون العسكري والتكنولوجي والسياسي بين الجانبين، وهو ما أثار موجة انتقادات واسعة من جماعات حقوقية ونشطاء مؤيدين للقضية الفلسطينية، خاصة بعد التقارير التي تحدثت عن تدفق إمدادات عسكرية هندية إلى إسرائيل خلال الحرب الجارية في غزة.

ويقول مراقبون إن العلاقة “الصهيوهندية” لم تعد مجرد تعاون دفاعي محدود، بل تحولت إلى شراكة استراتيجية متكاملة، يقودها رئيس الوزراء الهندي Narendra Modi الذي دفع منذ وصوله إلى السلطة عام 2014 نحو تعزيز الروابط مع تل أبيب على مختلف المستويات، في إطار رؤيته لإعادة تشكيل السياسة الخارجية الهندية.

جذور العلاقة بين نيودلهي وتل أبيب

رغم أن الهند اعترفت بإسرائيل عام 1950، فإن العلاقات ظلت محدودة لعقود بسبب دعم نيودلهي التاريخي للقضية الفلسطينية وارتباطها بحركة عدم الانحياز. لكن التحولات بدأت مطلع التسعينيات بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتغير موازين القوى الدولية، لتبدأ العلاقات الدبلوماسية الكاملة عام 1992.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت إسرائيل أحد أبرز موردي السلاح للهند، خاصة في مجالات الطائرات المسيرة وأنظمة الرادار والصواريخ والمراقبة الإلكترونية. ومع صعود حزب بهاراتيا جاناتا القومي الهندوسي بقيادة مودي، انتقلت العلاقة إلى مستوى أكثر علنية وتقاربًا سياسيًا وأيديولوجيًا.

ويرى الباحث الهندي في الشؤون الدولية “برابهاكار مينيون” أن “مودي يعتبر إسرائيل نموذجًا للدولة الأمنية القوية، ويجد تقاطعًا أيديولوجيًا بين القومية الهندوسية والسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين”.

اتهامات بتوريد معدات عسكرية لإسرائيل

الجدل الأخير تصاعد بعد تقارير تحدثت عن شحنات فولاذ عسكري من الهند إلى مصانع أسلحة إسرائيلية. وقال نشطاء من حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات “BDS” إن هذه المواد قد تُستخدم في تصنيع قذائف مدفعية للجيش الإسرائيلي.

ووفقًا للناشطين، فإن الشحنات انطلقت من شركة هندية خاصة واتجهت إلى منشآت مرتبطة بالصناعات العسكرية الإسرائيلية، بينما جرى اعتراض بعض السفن أو تفتيشها في موانئ أوروبية وسط مطالب بوقفها.

وترى منظمات حقوقية أن استمرار هذه الصادرات يضع الحكومة الهندية في مواجهة انتقادات أخلاقية وقانونية، خاصة بعد الاتهامات الدولية لإسرائيل بارتكاب انتهاكات واسعة في غزة.

الباحثة الفلسطينية في العلاقات الدولية “سناء أبو عامر” تقول إن “الهند تحاول الجمع بين مصالحها الاقتصادية وتحالفاتها السياسية، لكنها تخاطر بفقدان صورتها التاريخية كدولة داعمة لحركات التحرر”.

لماذا يقترب مودي من إسرائيل؟

يربط محللون التقارب بين حكومة مودي وإسرائيل بعدة عوامل، أبرزها التعاون الأمني والتكنولوجي، إضافة إلى تشابه الخطاب القومي بين الجانبين.

ويقول الخبير في الشأن الآسيوي “أحمد باندي” إن “الهند ترى في إسرائيل شريكًا مهمًا في مواجهة التحديات الأمنية، خاصة في ملفي كشمير والصين، كما تستفيد من التكنولوجيا العسكرية والزراعية الإسرائيلية”.

كما تسعى نيودلهي إلى تعزيز موقعها العالمي عبر توسيع تحالفاتها مع القوى الغربية، وهو ما يجعل التقارب مع إسرائيل جزءًا من استراتيجية أوسع تشمل الولايات المتحدة وشركاء آخرين في الشرق الأوسط.

لكن هذا التوجه يثير انقسامًا داخليًا متزايدًا، خاصة مع اتهام حكومة مودي بتغليب التحالفات الخارجية على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد.

التضخم وارتفاع الأسعار يضغطان على حكومة مودي

بالتزامن مع هذا الانفتاح الخارجي، تواجه الهند تحديات اقتصادية متزايدة، أبرزها ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وتزايد معدلات التضخم والبطالة في بعض القطاعات.

ورغم أن الاقتصاد الهندي يُعد من الأسرع نموًا عالميًا، فإن قطاعات واسعة من الطبقة المتوسطة والفقراء تعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة، ما انعكس في احتجاجات وانتقادات للسياسات الحكومية.

ويرى الخبير الاقتصادي الهندي “راجيف شارما” أن “حكومة مودي تركز على المشاريع الكبرى والصورة الدولية للهند، بينما يشعر المواطن العادي بضغط اقتصادي متزايد”.

ويضيف أن “الإنفاق العسكري والعلاقات الاستراتيجية قد تحقق مكاسب سياسية، لكنها لا تعالج المشكلات اليومية المتعلقة بالأسعار وفرص العمل”.

ردود فعل عربية ودولية

أثارت التقارير الخاصة بالإمدادات العسكرية ردود فعل غاضبة من جماعات التضامن مع فلسطين، التي طالبت بفرض ضغوط على نيودلهي لوقف أي دعم عسكري لإسرائيل.

كما تصاعدت الدعوات في بعض الدول الأوروبية لتشديد الرقابة على الشحنات المرتبطة بالصناعات العسكرية الإسرائيلية، خاصة مع استمرار الحرب في غزة.

في المقابل، لم تصدر الحكومة الهندية ردًا تفصيليًا على الاتهامات الأخيرة، بينما تؤكد إسرائيل أن تعاونها الدفاعي مع الهند “قانوني ويخدم مصالح البلدين”.

إلى أين تتجه الهند؟

يرى مراقبون أن مودي ماضٍ في تعميق التحالف مع إسرائيل والغرب، مستفيدًا من صعود الهند كقوة اقتصادية وعسكرية آسيوية كبرى. لكن استمرار هذا النهج قد يضع نيودلهي أمام تحديات سياسية وأخلاقية متزايدة، سواء داخليًا أو خارجيًا.

ويعتقد محللون أن الحكومة الهندية ستحاول الحفاظ على التوازن بين علاقاتها مع العالم العربي وإسرائيل، خاصة أن دول الخليج تمثل شريكًا اقتصاديًا مهمًا للهند ومصدرًا رئيسيًا للطاقة وتحويلات العمالة.

ومع تصاعد الاستقطاب العالمي والحروب الإقليمية، يبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت الهند ستواصل سياسة “التحالفات المتعددة”، أم أن حكومة مودي تدفع البلاد نحو تموضع سياسي أكثر وضوحًا ضمن المعسكر الغربي الإسرائيلي.

وفي ظل الضغوط الاقتصادية والانتقادات الحقوقية، تبدو المرحلة المقبلة اختبارًا مهمًا لقدرة حكومة مودي على الموازنة بين الطموحات الجيوسياسية ومتطلبات الداخل الهندي المتأزم.

اترك تعليقا