السودان يفتح أبواب السلام عبر تحالف دولي

خطوات تهدف إلى تحقيق السلام

أعلن مجلس السيادة السوداني، برئاسة قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، استعداده الكامل للتعاون مع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في أي خطوات تهدف إلى تحقيق السلام وإنهاء الحرب التي تمزق البلاد منذ أكثر من عامين.

الضغوط الدولية

ويأتي هذا الإعلان في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية والإقليمية على طرفي الصراع من أجل وقف إطلاق النار، بعد أن تحولت الأزمة إلى واحدة من أخطر النزاعات الإنسانية في العالم.

في بيانه الرسمي، وجّه مجلس السيادة شكره لواشنطن والرياض على ما وصفه بـ”جهودهما المتواصلة لوقف إراقة الدماء السودانية”،

مؤكدًا أن المجلس على استعداد لـ”التعاون الجاد” معهما لتحقيق ما يصبو إليه الشعب من استقرار وعودة للحياة الطبيعية. ويعد هذا الموقف من الجيش السوداني إشارة إلى استعداده للانخراط مجددًا في مسار تفاوضي، لكن بوجود ضمانات أو وسطاء ذوي ثقل دولي.

وجاء هذا التطور عقب تصريحات بارزة أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أعلن فيها أنه سيبدأ العمل مباشرةً مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر لإنهاء الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. ويُنظر إلى تصريح ترامب على أنه أول مؤشر على دخول الإدارة الأمريكية من جديد إلى خط الأزمة بعد شهور من التردد.

ويعتقد محللون أن إبداء البرهان الاستعداد للتعاون مع الولايات المتحدة والسعودية يعكس رغبة الجيش في إعادة توجيه توازنات الدعم الدولي بعد التقدم الذي حققته قوات الدعم السريع في الأشهر الماضية.

كما يشير إلى محاولة لاستعادة زمام المبادرة في المسار السياسي، خاصة مع تزايد الانتقادات الدولية للأوضاع الإنسانية.

وفي السياق ذاته، اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوة حازمة بإعلان عقوبات جديدة طالت عبد الرحيم حمدان دقلو، نائب قائد قوات الدعم السريع وشقيق محمد حمدان دقلو (حميدتي) زعيم المجموعة.

الفظائع الجسيمة

وجاء في بيان الاتحاد أن القرار يستند إلى “الفظائع الجسيمة والمستمرة” التي ارتكبتها قوات الدعم السريع عقب سيطرتها على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور.

وتأتي هذه العقوبات بعد سقوط الفاشر في 26 أكتوبر/تشرين الأول، في عملية عسكرية مثيرة للجدل وذات تبعات إنسانية واسعة. فقد خضعت المدينة لحصار دام 18 شهراً شهد انقطاع الإمدادات الطبية والغذائية عن السكان،

إضافة إلى قصف متكرر لأحيائها السكنية. وبعد السيطرة عليها، ظهرت تقارير وشهادات تتحدث عن عمليات إعدام ميداني ونهب واغتصاب واعتداءات واسعة، ما أثار موجة غضب دولية واسعة.

جرائم ضد الإنسانية

وأكد الاتحاد الأوروبي في بيانه أن عمليات القتل على أساس عرقي والعنف الجنسي المنهجي الذي وثقته منظمات محلية ودولية “قد يشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”.

واعتبر الاتحاد أن فرض العقوبات خطوة أولى في إطار محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مع التأكيد على الاستعداد لاتخاذ مزيد من الإجراءات إذا استمرت الفظائع على الأرض.

وتشير مصادر دبلوماسية أوروبية إلى أن العقوبات تستهدف إيصال رسائل مزدوجة: الأولى لقادة الدعم السريع بأن المجتمع الدولي لن يقبل “شرعنة” السيطرة العسكرية المصحوبة بانتهاكات، والثانية للحكومة السودانية بضرورة العودة إلى مسار تفاوضي شامل.

كما يرى البعض أن العقوبات قد تمهد لتشكيل جبهة دولية أوسع تضغط على أطراف الصراع للقبول بوقف لإطلاق النار.

وفي خضم هذه التطورات، تتواصل الاتهامات من الحكومة السودانية وخبراء الأمم المتحدة ومنظمات دولية تُحمّل الإمارات العربية المتحدة مسؤولية دعم قوات الدعم السريع بالسلاح والتمويل. ورغم أن أبوظبي تنفي هذه الاتهامات بشكل قاطع،

وتؤكد أنها تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، فإن الضغوط تتزايد عليها لشرح موقفها بشكل أكثر وضوحًا، خصوصًا بعد ازدياد وتيرة تقارير الخبراء الأمميين بشأن خطوط إمداد يُعتقد أنها تؤجج القتال.

وتتجه الأنظار الآن إلى واشنطن، خاصة بعد إعلان ترامب أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان طلب منه المساعدة في إنهاء الحرب خلال لقائهما الأخير.

ويرى مراقبون أن هذا الطلب السعودي قد يفتح الباب لتحالف دبلوماسي جديد تقوده الولايات المتحدة والسعودية ومصر، وربما يشمل أطرافاً أخرى، بهدف إعادة إحياء مسار جدة الذي جمع الطرفين سابقًا ولم ينجح في تثبيت وقف مستدام للنار.

ورغم هذه الجهود، يستمر الوضع في السودان في التدهور. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، قُتل عشرات الآلاف من المدنيين،

بينما اضطر نحو 12 مليون شخص للنزوح داخليًا وخارجيًا، ما جعل الأزمة أكبر حالة نزوح في العالم. كما يعاني ملايين السودانيين من الجوع الحاد وانهيار المنظومات الصحية والتعليمية والخدمية، مع توقعات أممية بأن الوضع قد يتحول إلى مجاعة واسعة النطاق إذا استمر القتال.

وبينما تتقدم قوات الدعم السريع في دارفور ونقاط أخرى، يحتفظ الجيش بمناطق نفوذ في ولايات الشرق والشمال وبعض أجزاء الوسط، مما يجعل البلاد أقرب إلى سيناريو “الانقسام الفعلي” بين قوتين متوازيتين، وهو سيناريو حذر منه كثير من الباحثين. ويخشى المجتمع الدولي أن يترسخ هذا الانقسام مع مرور الوقت، مما يصعب أي عملية سياسية لإعادة بناء الدولة.

ورغم الضغوط الدولية، لا يزال الطرفان يعتقدان أن بإمكانهما تحقيق تقدم عسكري قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات. فالجيش يرى أن إعادة التموضع الأميركي قد تدعم موقفه السياسي والعسكري،

بينما تعتقد قوات الدعم السريع أن السيطرة على الفاشر حققت لها مكسبًا استراتيجيًا قد يسمح لها بالمشاركة في أي تسوية من موقع قوة.

ويشير مراقبون إلى أن التحركات الأخيرة، سواء إعلان مجلس السيادة أو تصريحات ترامب أو العقوبات الأوروبية، ليست سوى بداية مرحلة جديدة قد تشهد ضغوطًا أكبر على القوى الإقليمية المنخرطة غير مباشرة في الصراع.

كما يرجح أن تشهد الأسابيع المقبلة جولة جديدة من الوساطات قد تشمل ملء فجوات تعثرت فيها مبادرات سابقة.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، يظهر أن العامل الإنساني قد يتحول إلى نقطة ضغط رئيسية على جميع الأطراف. فالتحذيرات الأممية الأخيرة تحدثت عن احتمالات “انهيار كامل” للمناطق المحاصرة وانعدام الأمن الغذائي في معظم أنحاء البلاد، الأمر الذي قد يدفع القوى الدولية والإقليمية إلى التحرك بشكل أسرع، لا سيما مع تزايد المخاطر العابرة للحدود مثل النزوح الجماعي وتسلل الجماعات المسلحة.

ورغم قتامة المشهد، يرى بعض الخبراء أن وجود السعودية والولايات المتحدة في الواجهة قد يوفر نافذة مختلفة للحل، خاصة أن الطرفين يتمتعان بقدرة على التواصل مع أكثر من جهة إقليمية ودولية مؤثرة.

كما تشير توقعات أخرى إلى احتمال عقد اجتماع إقليمي – دولي موسع خلال الفترة المقبلة لصياغة إطار جديد للحل.

وفي نهاية المطاف، يبقى السودان أمام مفترق طرق حاسم: إما الدخول في مرحلة جديدة من الجهود الدبلوماسية المكثّفة التي قد تضع حدًا للحرب، أو الانزلاق إلى مزيد من التفكك الذي سيجعل الخروج من الأزمة أكثر صعوبة وكلفة.