الأمن الغذائي المشترك للدول الإسلامية
ربط الإنتاج بالاستثمار والتكنولوجيا والتجارة
- dr-naga
- 17 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- أسعار الغذاء, الأمن الغذائي المشترك للدول الإسلامية, الاستثمار والتكنولوجيا والتجارة, تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد
الرائد: أعاد اضطراب سلاسل الإمداد العالمية خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب تقلبات المناخ وارتفاع أسعار الغذاء، الأمن الغذائي إلى صدارة أولويات الحكومات. ولم يعد هذا الملف قضية زراعية فحسب، بل أصبح جزءًا من الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي. وفي هذا السياق، يمتلك العالم العربي والإسلامي مقومات متنوعة تؤهله لبناء منظومة أكثر تكاملًا، تجمع بين الأراضي الزراعية الخصبة، والموارد المالية، والخبرات التقنية، والأسواق الواسعة.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) إلى أن العالم سيحتاج إلى زيادة الإنتاج الزراعي بصورة مستدامة لتلبية الطلب المتنامي على الغذاء، مع تحسين كفاءة استخدام المياه والأراضي والموارد الطبيعية. كما تؤكد أن الاستثمار في الزراعة والتكنولوجيا الزراعية سيظل أحد أهم أدوات مواجهة تحديات الأمن الغذائي.
ويتميز العالم الإسلامي بتنوع كبير في موارده الزراعية. فالسودان يمتلك مساحات واسعة صالحة للزراعة، بينما تعد مصر من أكثر الدول خبرة في الزراعة المروية، وتتميز تركيا بقطاع زراعي وصناعات غذائية متقدمة، وتعد ماليزيا وإندونيسيا من أكبر منتجي زيت النخيل، في حين يحتل المغرب مكانة مهمة في إنتاج الخضراوات والفواكه الموجهة للتصدير، وتعد كازاخستان من أبرز منتجي الحبوب في آسيا الوسطى.
ورغم هذا التنوع، لا تزال معظم الدول الإسلامية تعتمد بدرجات متفاوتة على استيراد الحبوب أو الزيوت أو الأعلاف أو المدخلات الزراعية، وهو ما يجعلها عرضة لتقلبات الأسواق العالمية.
وتوضح منظمة التعاون الإسلامي في تقاريرها الاقتصادية أن تعزيز التجارة الزراعية البينية، وتطوير الاستثمارات المشتركة، يمكن أن يسهم في تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على أسواق خارجية محدودة.
وتاريخيًا، كان العالم الإسلامي يمتلك شبكة تجارية واسعة لتبادل الحبوب والتمور والتوابل والقطن والمنتجات الزراعية، وأسهم هذا التنوع الجغرافي في الحد من آثار مواسم الجفاف المحلية. أما اليوم، فإن تطور وسائل النقل والتخزين والتقنيات الرقمية يجعل إعادة بناء هذا التكامل أكثر سهولة من أي وقت مضى.
ويرى الاقتصادي الأمريكي مايكل كريمر، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، أن رفع إنتاجية الزراعة في الدول النامية يعتمد على الاستثمار في التكنولوجيا، والبحث العلمي، والبنية التحتية، وليس فقط على زيادة المساحات المزروعة.
ومن أبرز فرص التكامل إنشاء صناديق استثمار زراعية مشتركة، وتوسيع مشروعات الأمن الغذائي العابرة للحدود، وربط الإنتاج الزراعي بالصناعات الغذائية وسلاسل التبريد والنقل البحري، بما يقلل الفاقد ويزيد القيمة المضافة.
كما يبرز التعاون العلمي بوصفه عنصرًا أساسيًا في هذا المجال، إذ يمكن للجامعات ومراكز الأبحاث الزراعية في الدول الإسلامية تطوير أصناف نباتية أكثر مقاومة للجفاف والملوحة، وتحسين تقنيات الري، واستخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة المحاصيل، وهي مجالات تشهد تقدمًا عالميًا متسارعًا.
وتؤكد المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية (CGIAR) أن الابتكار الزراعي سيكون عاملًا حاسمًا في مواجهة تغير المناخ، وأن التعاون الإقليمي يسهم في تسريع نقل التقنيات الحديثة بين الدول.
ومن الناحية الاقتصادية، تشير البنك الإسلامي للتنمية إلى أن تعزيز الاستثمار الزراعي المشترك يمكن أن يحقق فوائد متبادلة؛ فالدول التي تمتلك رؤوس الأموال تستطيع الاستثمار في الدول التي تمتلك الأراضي والموارد المائية، ضمن أطر قانونية تضمن مصالح جميع الأطراف وتحترم سيادة الدول.
ومع ذلك، يواجه هذا المسار تحديات تتمثل في شح المياه في بعض المناطق، وتغير المناخ، وتفاوت التشريعات، وضعف البنية التحتية الزراعية في عدد من الدول، وهي عوامل تتطلب تنسيقًا طويل الأجل وسياسات تستند إلى البيانات والبحث العلمي.
ويتوقع خبراء الفاو والصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) أن يشهد العقد المقبل توسعًا في استخدام الزراعة الرقمية، وتقنيات الاستشعار عن بعد، والري الذكي، والزراعة الدقيقة، وهو ما قد يرفع الإنتاجية ويخفض استهلاك الموارد إذا توافرت الاستثمارات المناسبة.
إن الأمن الغذائي في العالم العربي والإسلامي لا يعتمد على وفرة الموارد في دولة واحدة، بل على حسن توزيع المزايا النسبية بين الدول، وربط الإنتاج بالاستثمار والتكنولوجيا والتجارة. وإذا تحقق هذا التكامل، فستتحول المنطقة من مستورد رئيسي لبعض السلع الغذائية إلى شريك أكثر تأثيرًا في منظومة الغذاء العالمية، مع تعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات المستقبلية.
المصادر:
منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO، الصندوق الدولي للتنمية الزراعية IFAD، البنك الإسلامي للتنمية IsDB، منظمة التعاون الإسلامي OIC، المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية CGIAR، البنك الدولي، أعمال مايكل كريمر حول اقتصاد التنمية والزراعة.
