السودان.. مواجهات دامية بين قبيلتين حليفتين للدعم السريع

"السلامات" و"البني هلبة" استخدموا الأسلحة الثقيلة والمسيرات

الرائد- استمرت لليوم الخامس على التوالي المواجهات بين قبيلتي “السلامات” و”البني هلبة” في ولاية جنوب دارفور، وهما من أبرز المكونات الاجتماعية المتحالفة مع قوات الدعم السريع.

وهذه المرة الثالثة التي يتجدد فيها العنف بين القبيلتين منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من 3 سنوات، إذ جرى توقيع اتفاق لوقف العدائيات بينهما في مدينة كاس بجنوب دارفور في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ثم التوقيع على وثيقة للصلح بينهما في يونيو/حزيران 2024 في منطقة مكجر بوسط دارفور، وأخيرا في يوليو/تموز 2025 بمكجر أيضا، وتدخل قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” وتعهد بدفع التعويضات.

ويستعرض التقرير التالي جذور الصراع بين قبيلتي السلامات والبني هلبة، وأسباب استخدام الأسلحة الثقيلة والمسيرات بعدما كانت الاشتباكات تحدث بالأسلحة البيضاء والخفيفة، وتأثير ذلك على قوات الدعم السريع وتراجع الدور التقليدي في المصالحات والسلم الاجتماعي.

1- ما جذور الصراع بين قبيلتي السلامات والبني هلبة في جنوب دارفور؟

تشهد مناطق واسعة في ولاية جنوب دارفور صراعا قديما متجددا بين قبيلتي البني هلبة والسلامات منذ عقود، حيث تتجذر الأزمة بشكل أساسي حول النزاع على الأراضي والمطالبة بالسيادة عليها (الحواكير).

إذ تمتلك البني هلبة “حاكورة” (أرض تاريخية محددة) واسعة في جنوب دارفور، وتعتبر أن قبيلة السلامات تمارس وجودا استيطانيا في أراضيها، ما يخلق حساسية مستمرة حول امتلاك الأرض واستخدام المراعي والاعتراف بالعموديات والإدارات الأهلية.

يندلع الصراع عادة نتيجة احتكاكات مباشرة أو أحداث جنائية محدودة مثل سرقة المواشي والسيارات أو نهب الممتلكات، وسرعان ما يتطور إلى احتشاد مسلح واشتباكات قبلية واسعة.

على الرغم من التوصل إلى اتفاقيات ومواثيق صلح سابقة بين الطرفين، فإن جذور الأزمة المتعلقة بملكية الأرض والموارد تظل قائمة، ما يؤدي إلى تجدد الصراع من حين لآخر.

2- أين تقع مناطق انتشار قبيلة السلامات، وهل لها امتداد خارجي؟

لا تملك قبيلة السلامات حاكورة (أرض تاريخية مسجلة بنظام الإدارة الأهلية)، ولكنها توجد بوصفها قبيلة رعوية وزراعية تنتشر في مناطق مختلفة، ويتركز وجودها جغرافيا في المناطق الغربية والجنوبية لإقليم دارفور في مناطق أم دخن ومكجر وبندسي في ولاية وسط دارفور، ومناطق رهيد البردي وكبم وكاس وزالنجي بجنوب دارفور ووسطها.

كما أن للقبيلة امتدادا خارجيا في تشاد، على غرار 13 قبيلة مشتركة بين السودان وجارته الغربية.

3- الخسائر البشرية في المواجهات بين القبيلتين؟

المواجهات التي اندلعت في أغسطس/آب 2023، خلفت نحو 700 قتيل من الجانبين وإحراق قرى عدة. وفي الاشتباكات الجارية سقط حتى الآن أكثر من 500 قتيل وجريح، وجرى إحراق 10 قرى أبرزها كبم ومركندي ودمبا، ما أدى إلى نزوح مئات الأسر، وفقا لمصادر قبلية.

في تصريح للجزيرة نت, عزا الخبير الإداري فاروق التجاني ارتفاع عدد الضحايا إلى استخدام أسلحة ثقيلة ومركبات قتالية تابعة لقوات الدعم السريع. وشوهد غالبية مقاتلي القبيلتين يرتدون زي القوات، حيث استخدموا تكتيكات الحرب بدلا من الأسلحة البيضاء أو الرشاشة الخفيفة التي كانت تستخدم في الصراعات القبلية منذ ستينيات القرن الماضي في دارفور.

كما اتهم طبيب في منطقة “كبم” -في مقطع فيديو في أثناء إسعافه للجرحى- قوات الدعم السريع بالوقوف وراء هجوم بالمسيرات، أدى إلى سقوط نحو 15 قتيلا الأحد الماضي.

وأكد الطبيب أن الطائرة المسيّرة انطلقت من مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، لتقديم الإسناد لإحدى المجموعات العرقية، وأصابت السوق والمستشفى الريفي في المنطقة.

4- المظاهر التي اتسمت بها الموجة الجديدة من العنف القبلي في جنوب دارفور

تبارى الطرفان في نشر مقاطع فيديو تعكس استخدام عنف مفرط، وإهانة النساء، والتمثيل بجثث الضحايا، ما يزيد من حالة التعبئة والغضب في أوساط القبيلتين. كما رُصد انسحاب عناصر من الطرفين من مسارح العمليات في إقليم كردفان إلى مناطقهم في جنوب كردفان للمشاركة في القتال القبلي دفاعا عن أهلهم وانتقاما لمقتل أقربائهم.

5- تداعيات سماح قوات الدعم السريع باستخدام أسلحتها في المواجهات بين القبيلتين

ظهر مسلحون قبليون من الطرفين يرتدون زي الدعم السريع، ويستغلون مركباتها العسكرية، ويتسلحون بأسلحة لا تتوفر إلا لدى هذه القوات.

ويرى مراقبون أن قوات الدعم السريع ستدفع ثمن “تمليش” دارفور باعتمادها على مليشيات قبلية، ما يفكك “الحواضن القبلية” التي بنى عليها قوته،

ويضعف سيطرتها عليها، إذ بات السلاح الذي وزعته يواجه بعضه بعضا.

6- هل أدى غياب الدولة وسقوط هيبة الإدارة الأهلية إلى تجدد الصراعات القبلية؟

جعل غياب الأمن والدولة الإدارات الأهلية غير قادرة على ضبط النزاع، وعاجزة عن عقد مصالحات بناءة وفق أعرافها وتقاليدها. ويحذر مراقبون من انهيار السلم الأهلي وتفشي الفوضى والعنف المسلح.

وقالت حركة العدل والمساواة بزعامة جبريل إبراهيم، في بيان، إن هذه النزاعات تأتي في سياق حالة الانفلات الأمني التي أوجدتها قوات الدعم السريع عبر تفكيك مؤسسات الدولة، وإضعاف سلطة القانون، وإشاعة الفوضى في مناطق انتشارها.

وحمّلت الحركة الدعم السريع المسؤولية عن البيئة التي سمحت باندلاع هذه الصراعات وغيرها من النزاعات التي شهدها الإقليم.

كما اتهم مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور، قوات الدعم السريع بإشعال الحرب، وناشد العقلاء والحكماء من أبناء القبيلتين الوقوف صفا واحدا لوقف نزيف الدم فورا، وعدم الانجرار وراء المخططات التي قال إنها تسعى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وخدمة أجندة الدعم السريع.

7- ما تأثير هذا الصراع على قوات الدعم السريع؟

عقدت قوات الدعم السريع اجتماعا أقر سحب الأسلحة من الأطراف المتقاتلة، لكنها لم تجد استجابة من المقاتلين القبليين.

ويشير هذا إلى تآكل نفوذ قوات الدعم السريع ويهدد تماسكها، كما يقول الخبير الأمني صالح إدريس للجزيرة نت.

ويعتقد الخبير أن الصراع الدائر اليوم لا ينفصل عن واقع “التمليش والتسليح” الذي فرضته قوات الدعم السريع في دارفور، إذ تحولت الأسلحة والمركبات والقدرات العسكرية التي نشرتها داخل الإقليم إلى جزء من النزاعات المحلية والفوضى، بدلا من أن تكون عامل استقرار وضامنا للأمن، مشيرا إلى أن ولاء المقاتلين للقبيلة أقوى من ولائهم لمؤسستهم العسكرية.

*المصدر: الجزيرة

اترك تعليقا