الساداتية القديمة والساداتية الجديدة: خطاب نقد إيران نموذجا

د عمرو عبد العزيز

مدخل: ما هي الساداتية؟
أقصد بالساداتية ذلك التصور السياسي الذي تبلور في أواخر عهد أنور السادات، بوصفه عقيدة للسياسة الخارجية، لا مجرد مجموعة قرارات منفصلة. هذه العقيدة التي لم تكن معتادة في المنطقة وقتها، خاصة وقد نبتت من قلب مركز المشروع القومي العربي الذي أقامه وروجه عبد الناصر، ومن تصور ممتد رسخ واقع مصر وسياساتها بمحيطها العربي، حتى حين كان هذا المحيط يهاجمها أو يلومها، إذ كان الهجوم نفسه هو ارتباط بقيادة، واعتراف بالمسؤولية، وطموح في وراثة المكانة أحيانا.
غير أن السادات في ختام عصره، شرع في ترسيخ اعتقاد سياسي جديد، قائم على كسر ذلك القيد العربي، فلم يعد يأبه برأي العالم العربي والإسلامي في سياساته، بل يتخذ ما يراه المصلحة القومية الوطنية الضيقة، وما يحسبه الأنفع لمصر عاجلا.
وذلك الاعتقاد السياسي العام له في الصياغة الساداتية أركان محددة، يمكن بتحديدها تتبع انتشارها في الأعوام الأخيرة في خطاب بعض الدول والأنظمة المنضوية تحت اتفاقات أفرام للتطبيع مع الصهاينة، خاصة في الخليج والمملكة المغربية، ولكن بتصوُّر أوسع في التصرُّف، وأقل امتلاكا للأعذار الظرفية التاريخية التي كانت عند السادات.

(1) أركان الساداتية.
يمكن تعريف تلك الساداتية بأنها مكونة من أركان أربعة:
أولًا: الانغلاق القومي الوطني والخروج من قيد العالم العربي والإسلامي
يمكن اعتبار النواة التي ستبنى حولها تلك العقيدة السياسية الخارجية هي الانغلاق القومي الوطني والنزعة الانعزالية عن المحيط العربي والإسلامي. لقد كرر السادات مرارا حديثه عن كون مصلحة مصر أولا، وخطَّأ التوجهات الماضية الرومانسية أسيرة خطابات الزعامة والالتزامات الأخلاقية الخارجية التي استنزفت مصر.
لم يظهر هذا الخطاب من العدم، إذ تمتد جذوره إلى خواتيم عصر عبد الناصر، الذي ردد كثيرا في مجالسه الخاصة المنشورة حاليا غضبه من تحمُّل مصر فوق طاقتها بسبب نزعة المحاكمات الأخلاقية العربية له، وتذمره من سياسة الوجهين التي مارستها الدول العربية الأخرى من إعلان المقاومة علنا، والمزايدة على مصر التي تفكر في وقف الحرب وقبول التفاوض، مقابل التفاوض العربي سرا مع الجميع. ردد عبد الناصر هذا في خاصته، ولكنه حافظ في العلن على الخطاب التعبوي القومي العربي الدبلوماسي. ولم يأت ِالسادات حقا بجديد سوى نقل ذلك الغضب والتذمر من الخاصة الناصرية إلى المنابر العلنية وتحويلها إلى خطاب سياسي صريح يدعم بناء المعتقد السياسي الجديد الذي يُنشئه.
وكان السادات قد حافظ في أول عهده على كثير من المنهج الناصري في الخطاب العروبي القومي علنا، وكتمان السُخط للخواص، غير أن ما تلا حرب أكتوبر، من انتصار عسكري منقوص، لم يُتبع بخروج البلد من الأزمة الاقتصادية الفادحة، ولا الاضطرابات السياسية الحالَّة، فظل الاختناق هو الطابع العام، وكانت رؤية السادات للخروج من ذلك هو ما اعتبرها قيودا تمنع حرية القرار المصري، وقد كان أول القيود هو ارتباط التحرك السياسي بالعالم العربي، وثانيها العلاقة الممتدة مع الاتحاد السوفيتي، وثالثها إرث الاشتراكية والمجال العام المُضيَّق.
فشرع السادات في تبديل خطاب التوافق العروبي إلى خطاب الهجوم ضد الحكام العرب، والتأكيد المتكرر على ضرورة تقديم المصلحة المصرية فقط، ناشرا مخازي الحكام العرب القمعية أو التعاونية مع الأمريكيين، والتي كان أكثرها حقيقي لكنها تستعمل في سياق تخريب العلاقات وهدم الروابط. كان يريد أن يسقط الابتزاز الأخلاقي لا من أجل أخلاق أكثر التزاما بالعمل المشترك، بل من أجل بناء جدار العزلة وترسيخ الأنانية الذاتية الوطنية. وما دامت السياسة عند الجميع لا أخلاقية، فلتكن مصر كالجميع لا تفكر إلا في نفسها دون أخلاقيات ومسؤوليات قومية واسعة!

ثانيًا: الاستسلام للأمركة والانغماس في التبعية طريقا للرفاه.
من ركائز تصور السادات كذلك اعتقاده سقوط مصر في هاوية التحالف مع الاتحاد السوفيتي ، وقد توطد لديه يوما تلو الآخر أن هذه العلاقة هي قيد يشل حرية حركته ويمنع لحوقه بالعالم الغربي المتقدم، والتحرر منه واجب لقلة جدوى الاستمرار معه في انحداره.
فعلام التقيد بالسوفييت؟ ردد السادات حينما كان يتجه نحو أمريكا حقيقة إباء الروس أن تتفوق مصر في الحرب مع إسرائيل بما يكفي لهزيمتها بصورة شاملة، فلم يقدموا لها إلا ما يسمح بعملية محدودة أو بدفاع عن النفس، أما إحداث تغيير جذري في موازين الصراع، فلا. إسرائيل حقيقة قائمة يجب القبول بها. وسواء قيل هذا من السوفييت فعلا كما ادعى السادات أم لا، فإن العنصر اليهودي المتمكن في الدولة السوفيتية تحديدا لم يكن يُعقل منه سوى هذا. إضافة إلى ذلك، كان قد بدأ يتضح منذ السبعينيات لقادة الدول تلك الوتيرة المتصاعدة لعجز السوفييت في السباق العسكري مع أمريكا، والفشل الفادح للنظام الاقتصادي في صناعة حياة يحلم بها الروس أنفسهم قبل ترويجها لغيرهم. لا الصواريخ امتلكت قدرات الطيران، ولا أسلوب الحياة السوفيتي امتلكت نفوذا واسعا في روسيا نفسها، ولا الاقتصاد المتقشف كان ناجحا بما يكفي لجذب الآخرين إلى الاقتداء به مقارنة بالغرب. هذا فضلا عن إعجاب شخصي ظاهر بالولايات المتحدة والتغريب كان ذو أثر في حياة السادات الشخصية، وأشار إليه هيكل ناقدا، وأفصح عنه السادات نفسه في مذكراته مناشدا أخلاق الأمريكي القوي!
فإذا كانت مصر تبحث عن مخرج من الهاوية، فعليها ألا تنتظر الكثير من إمبراطورية شوهاء آيلة للضعف، خاصة أنها هي الأخرى تتفق على وجوب وجود إسرائيل. هكذا كان اللحوق بالركب (بتعبير ستيفن والت الشهير) هو التحالف الأنفع في رأي السادات، وإن كان ثمنه إفساد العلاقات مع السوفييت وحلفائهم العرب.
لكن تحالف السادات لم يلبث أن تحوَّل مع الوقت، خاصة مع وقائع كامب ديفيد، إلى نوع أشبه بتسليم المصير للولايات المتحدة الأمريكية، والاستغراق في هيمنتها وتقديم حتمية الانغماس فيها كسبيل وحيد للسلام والازدهار. صار الدوران في فلك أمريكا حيث تدور هو الطريق العقلاني للرخاء والصعود. وقد ظهرت تلك العقلية بصورة جلية في الاشتراك معها في محور تهجير العرب الإسلاميين إلى أفغانستان لمقاومة الاتحاد السوفيتي وهزمه، وفي محاكاتها الهزلية بتقديم أحزاب ثلاثة مصنوعة بصورة شبه تامة لتمثيل اليسار والوسط واليمين، كأنما هذه التوجهات تصدر (بقرار سياسي علوي) يحدد نفسه وسطا، وليس بتفاعلات اجتماعية وسياسية وفكرية تنبت ذاتيا تلك التقاسيم! فإذا كان عبد الناصر قد قلّد الاتحاد السوفيتي تقليدًا سخيفا في شموليته وتخطيط الدولة، فإن السادات قلد أمريكا تقليدًا لا يقل سُخفا: ثلاثة أحزاب بدلا من الاتحاد الاشتراكي المركزي، واقتصاد سوق مفتوح، وهامش واسع من حرية التعبير، ومحاولة لتحجيم الأجهزة الأمنية مقارنة بما كان موجودًا في عهد عبد الناصر. لكنه كان يريد كل ذلك مع الحفاظ على الاستبداد. يريد (مظهرا) يحاكي أمريكا، لا نظاما سياسيا ديمقراطيا حقيقيا.
بهذا كان تصوير التبعية للولايات المتحدة ومحاكاتها والانضمام إلى مشاريعها سبيلا للازدهار والرخاء والاستقرار، وهو ثاني أركان العقيدة السياسية للسادات.

ثالثًا: التطبيع المتطرف مع إسرائيل واستراتيجية آخر الحروب
الركن الثالث في الساداتية هو التطبيع المتطرف مع إسرائيل واليهود، مع الاكتفاء ببيانات التنديد عند أي عدوان منها. هنا لم يكن السلام مجرد اتفاقات أمنية أو سلام بارد، بل كانت تطبيعا حارا في أواخر عهد السادات. وقد أخذ الأمر شكلًا جنونيًا ومتطرفًا: مسؤولون إسرائيليون يزورون مصر، يذهبون إلى الأقصر وخان الخليلي، وتُفتح لهم المنابر والاحتفالات، وتحاول الدولة أن تنقل التطبيع من المستوى الرسمي إلى المستوى الشعبي.
السادات في هذه المرحلة كان يسير في طريق يعلن فيه دوما أن حرب أكتوبر هي آخر الحروب. لا صدام مع اليهود بعد الآن. لا استراتيجية صراع مرة أخرى. السلام الدائم هو الخيار الاستراتيجي. وهذا في ذاته كان تحولًا شديد الخطورة؛ لأن رئيس دولة لا ينبغي له أن يعلن لدولة أخرى أنه لن يحاربها أبدًا مهما حدث، وهذا مما أجاد في بيانه محمد حسنين هيكل في نقده للسادات، لكن السادات كان يريد أن يجعلها عقيدة للسياسة الخارجية المصرية.
وهنا يظهر الفارق الدقيق بين السادات ومبارك: إذ استمر مبارك في عمليات السلام مع إسرائيل والارتباط بأمريكا، لكنه لم يتوغَّل في التطبيع الشعبي المتطرف الذي طبقه السادات في نهاية أيامه. حاول مبارك في عصره دوما صناعة توازن بين التطبيع الحذر في السياسة العليا، والسماح بالتعبئة الشعبية الدينية والقومية العلمانية ضد إسرائيل. فبينما كان يخالط الإسرائيليين باللقاءات المستمرة، كان يترك أجهزة الدعاية والإعلام والثقافة الشعبية يروجون ضد إسرائيل، والمؤامرة اليهودية عامة، بكافة الصيغ اليسارية واليمينية، وحتى الفكر التآمري عن المؤامرة الصهيونية والماسونية ترك لأهله مساحة كبيرة. قارن هذا باستحضار السادات لبيجين وترتيب الناس كي يهتفوا له أمام معبد مصري قديم في جنوب مصر، وتقديم فاجرات مصر وفاسقاتها من الراقصات لأعمدة السياسة الإسرائيلية في مشهد مخزٍ وفاضح!
رابعًا: السخرية من المشاريع التحررية والمقاومة
الركن الرابع هو السخرية من المشاريع التحررية المقاومة للهيمنة الأمريكية، واعتبارها سبب تدهور البلاد التي تطبقها. لقد كان السادات قد بدأ يكرر حديثه عن كون كل مشروع مقاوم ضد أمريكا هو مشروع عبثي لا يبني بلدًا.
بهذا المنطق، فإن كل حركة مقاومة وخطاب تحرري، بل أي صدام مع الهيمنة الأمريكية، ليس إلا شعارات فارغة، وتضييع للبلاد، وسبب رئيسي للتدهور والانعزال. السلام والازدهار شرطهما الاندماج الكامل وغير المشروط للهيمنة الأمريكية والتحرك في فلكها.
وهذا الركن مهم لأنه يربط الاقتصاد بالأخلاق بطريقة معكوسة، إذ لا يعود السؤال: هل الدولة حرة؟ هل قرارها مستقل؟ هل تقاوم الهيمنة؟ بل يصبح السؤال: هل تملك رفاها وثروة؟ هل تنشئ وتشيد وتستثمر؟ فإذا كان ثمن الرفاه أن تكون تحت الهيمنة الأمريكية، فليكن، وإذا كان ثمن الاستقلال أن تدخل في مواجهة من أي نوع، فهذه مواجهة عبثية خرقاء.
فهذه كانت الأركان الأربعة لعقيدة الساداتية القديمة.
(2) الساداتية الجديدة ومركزها الخليجي.
بعد أن نفهم الساداتية، نصل إلى الساداتية الجديدة: فمن يعتنق ذلك الاعتقاد السياسي اليوم؟ تمثل المملكة المغربية وبعض دول الخليج العربي هذا الاتجاه. لكن الخليج – وخصوصًا الإمارات وكثير من مثقفي السعودية الرسميين – يحاول أن يبيع الوصفة الساداتية بصيغة جديدة، بينما يبدو المغرب تطبيقيا عمليا، لا مُنظِّرا.
إن الخليج يقدم هذه العقيدة السياسية كأنها النموذج الطبيعي للعالم: لا مقاومة ولا صدام مع أمريكا، ولا مشاريع تحررية ولا شعارات كبرى = فقط اقتصاد واستثمار وتنمية وإنشاءات، واندماج تام في المنظومة الأمريكية.
تشبه الساداتية الجديدة سلفها في جوهرها، وإن كانت لا تملك أعذار السادات في صنيعه، إذ كانت أرضه محتلة حتى قرب نهاية عصره، واقتصاده معطوب، والمجال السياسي مضطرب، والتواجد الدولي منكمش، وفدح ثمن مواجهة أمريكا وصدها يدفعه الكل. تقدم الساداتية الجديدة نفسها لا بوصفها اضطرارا من أي نوع، بل اختيار واعٍ عقلاني رشيد، وفيه الدولة الطبيعية لا تقف موقفا فيه مواجهة مع أمريكا خاصة من أي نوع، وعليه لا تجعل فلسطين محورا من محاور القضايا العربية والإسلامية الهامة التي تستحق أي تضحية.

(3) لازم خطاب «الدولة الطبيعية» في الساداتية الجديدة: خطاب نقد إيران نموذجا.
يعد خطاب النقد الثقافي السياسي الخليجي خاصة لإيران هو أكشف الخطابات لهذه العقيدة السياسية الساداتية، فحين يكتب بعضهم عن إيران يشرع أولا في بيان أوجه النفع الاقتصادي: فإيران عندها نفط مثل الكويت، وغاز مثل قطر، لكن الناتج المحلي ضعيف، والأجور متدنية، ولولا أنها دولة غير طبيعية – أي: منخرطة في صراع مع الغرب – لكانت نموذجا للثراء والرفاه. في هذا الخطاب يكون الرفاه والطبيعية مرتبطا بالرضوخ للهيمنة، وإنكار شذوذ المقاومة والمدافعة. إن المعيار الوحيد للفلاح هو وفرة المال ورسوخ الأمن – والأمن هنا خارجي مستمد من الخضوع، لا بناءً ذاتيا يهدد المنظومة الدولية! لا مبدأ سوى الترف واللهو ولو كان الثمن ما كان!
هكذا تُصوَّر مقاومة الهيمنة الأمريكية باعتبارها سبب فساد البلاد، والاستقلال الذاتي يكون وهما، والعداء مع أمريكا هو الخرف، والتطبيع مع إسرائيل أو عدم معارضتها أو حتى تهديدها هو العلاقة الطبيعية الوحيدة. بذا يصير النموذج الخليجي هو النموذج الطبيعي الوحيد: دول مترفة متخمة بالأكل والشرب والنوم أو ساعية لتصبح كذلك، لاهية بين ملاعب الكرة واحتفالات الكرنفالات، تستثمر وتبني ملاعب وتنظم بطولات وتوطن من التكنولوجيا ما تسمح به الإدارة الأمريكية. ومسعى كل دولة يجب أن يكون إما الحفاظ على هذه (الدولة الطبيعية)، أو الاجتهاد للوصول إليها!
ومن أبرز المثقفين الخليجيين الذين تبنوا بصراحة هذا الخطاب وتلك التعبيرات، كان الصحفي والناشر السعودي نواف القديمي، والذي قدم سلسلة من المنشورات مهاجما إيران باعتبارها نموذجا للدولة غير الطبيعية، وسنتخذ من أحد منشوراته البارزة مثالا هنا لبيان صورة هذا الخطاب، وتأكيد تمثله العقيدة السياسية الساداتية، مع نقد خطابه أثناء تحليله.
ففي أثناء اشتعال الموقف العسكري بين أمريكا وإيران في منتصف عام 2025، كتب القديمي المنشور التالي :

يبدأ القديمي في منشوره الخطاب بتحديد رأس المشكلة في رأيه، وهي عدم كون إيران (دولة طبيعية)، إذ دخلت في مواجهات مع الغرب منذ حادث احتجاز الرهائن الأمريكيين، ولا يكترث لسبب هذا الأمر، ولا دور أمريكا الذي كانت تفاخر به تبجحا في إفشال التجربة النهضوية لمصدق، وتمويل الثورة المضادة عليه، وقتل الحرية الإيرانية بالشاه المأجور. لا يأبه القديمي بذلك التاريخ كله، وينطلق من لحظة تبدو إيران فيها متحركة بصورة هوجاء متطرفة، للاعتداء والخطف، وهي السردية الأمريكية الرسمية خاصة التي تحدد لحظة بدء كل تاريخ مع أول رد فعل عليها: كما تُصوَّر الإبادة الإسرائيلية في غزة كرد فعل غاضب على (مجزرة السابع من أكتوبر)، التي جاءت من العدم هي الأخرى، وبدأت تلك (الأحداث المأساوية)، فالملوم هو الفلسطيني، وبنفس المنطق الأمريكي، يتحدث نواف، فيجعل احتجاز الرهائن الأمريكيين هي (لحظة البدء) التي جاءت من العدم، واستمرت لخمسة عقود من (الدولة غير الطبيعية)، التي واجهت الغرب، واعتدت على الجيران المساكين، الذين استضافوا قواعد الحصار الأمريكي لا غير!
وعدم الطبيعية في هذا الخطاب تظهر فورا في صورة أرقام الرفاه: كم يملكون من أموال؟ وما مقدار رفاه المجتمع؟
إن بناء (الدولة الطبيعية) عند هذا الخطاب الساداتي الجديد بصبغته الخليجية خاصة أكثر تطرفا من سلفه القديم: لن يكون مؤشره مقدار النفوذ العسكري أو السياسي الذي تمتلكه إيران في المنطقة، ولا بمقاومة الهيمنة الأمريكية والغربية ورفض مشاريعها وتحولها إلى أيقونة عند كل معادٍ للتسلط الأمريكي والعالمي، ولا بحجم مخزونك من الصواريخ وتحركك لامتلاك النووي، فكل هذا عند ذلك الخطاب مما يجعلك دولة (غير طبيعية) ما دام قد سبب مواجهتك لأمريكا وشرطيها الجديد القديم في المنطقة إسرائيل. نعم قد لا يرفض ذلك الخطاب امتلاك كل ذلك، لكن بشرط عدم تأثر الرفاه والترف وبالتالي عدم خدش العلاقة (الطبيعية) مع أمريكا!
وعليه يكون ربح الدولة وخسارتها مؤشرهما الأوحد هو الاقتصاد، والاقتصاد موكول أمره إلى أمريكا، لذا يجب على كل دولة تريد أن تصبح (طبيعية) أن تكون خاضعة طوعا للهيمنة الأمريكية. والدولة (الشاذة) غير الطبيعية هي ما لا تفعل ذلك. لهذا كان اختياره لكل الدول (الطبيعية) هو لدول إما تمتلك قواعد أمريكية بداخلها، أو عريقة في التحالف والخضوع للمشاريع الأمريكية عامة.
ولكي يدعم رؤيته، يرفض القديمي ثنائية: الخضوع أو المواجهة، ثم يضرب المثل بتركيا، التي في زعمه دولة مستقلة القرار. ولكنه لا يشرح لنا: إن كانت تركيا دولة مستقلة القرار بهذا الشكل، لماذا لم تتخذ موقفا ذا قيمة في وقف العدوان الإسرائيلي على غزة، وهي صاحبة أكبر وأقوى بحرية في العالم الإسلامي؟ تحدث الكثيرون عن خزي جيش مصر البري العرمرم الرابض على الحدود البرية يشاهد الإبادة، لكن قليلا من تحدث عن جيش تركيا البحري العرمرم الرابض أمام بحر غزة يشاهد الإبادة هو الآخر!
ولماذا لم ترد تركيا على عقوبات شرائها منظومة الدفاع الصاروخي اس 400 برفض التسليح الغربي، بدلا من تهميش تلك المنظومة ومحاولة إصلاح الخطأ بالسعي لشراء طائرات الإف 35؟ لم يشرح القديمي – باختزاله السطحي المتعمد – لماذا سارعت تركيا خلال الأعوام الأخيرة في محاولتها العرجاء لبناء تسليح ذاتي، كطائرة أكثر مكوناتها ذات القيمة مشتراة من النيتو، وحلقت لأول مرة بمحرك اف 16؟ إن السبب الأبرز للسلوك التركي الحالي ليس (استقلال القرار) بصورة كاملة كما يوهِم أو يتوهَّم، بل عجزهم عن الشراء الحر لمنظومات تسليح غير غربية، وهو قيد النيتو الذي يؤذيهم ويمنعهم من محاكاة مصر مثلا، التي تملك دوما حرية معقولة (وإن لم تكن تامة بدلالة تهديد السوخوي) في تنويع مصادر السلاح بين شرقية وغربية! وهل تركيا الحالية تملك من استقلال القرار ما يجعلها تشرع في بناء أسلحتها النووية الخاصة كما تفعل إيران؟ أم أن الأتراك هجروا النووي طوعا حبا منهم للإنسانية؟! وهل تركهم العصابات الكردية على حدودهم عاجزين عن غزوهم وإنهاء وجودهم إلا بالمؤامرات والوسائط السورية برغم قوة جيشها دلالة استقلال قرار هو الآخر؟ إن هذا لا يعني نفي محاولات الأتراك ولا بخس جهدهم في الخروج من القيد وعدم استقلال القرار، لكن مجرد بذل تلك الجهود يعني ضيقهم ورفضهم لهذه (الحالة الطبيعية) التي يبشرنا بها القديمي، ويؤكد أنهم يحلمون بيوم يستقلون فيه حقا بالقرار.
لكن صورة استقلال القرار المزعومة التي يستند إليها القديمي في طرحه هي استقلال (تحت) المظلة الأمريكية والغربية. أما استقلال حقيقي يقف ندا ويعبر الخطوط الحمراء = فهذا يحولك فورا إلى دولة (غير طبيعية)! شاذة يجب أن تُعالَج!
أما ضربه المثل بعد ذلك بقطر والكويت، باعتبارهما دولتين غير خاضعتين لأمريكا، ولديهما استقلال قرار بدليل وقوفهما مع الفلسطينيين، فلا أجيب أنا، إنما يجيبك ساسة قطر، الذين ولولوا كثيرا للأمريكيين حينما ضُيِّق عليهم واتُهِموا بدعم الإرهاب فقالوا مرارا إن استضافة الفلسطينيين كانت رغبة الأمريكيين أنفسهم، وذكَّروا مفاخرين بأنهم مجددو قاعدة العديد الأوفياء لاستراتيجية أمريكا العسكرية والسياسية في المنطقة! لكن يبدو أن القديمي اعتبر أن محض وقوف دولة مع الفلسطينيين ضد الإبادة الإسرائيلية هو مؤشر استقلال قوي كفاية ليضرب به وجه إيران وكل قائل بأن هذه الدول تابعة لأمريكا أو تدور في فلكها! وكفى بالمرء خواءً ألا يجد مؤشرا للاستقلال سوى (مناصرة) القضية الفلسطينية قولا وانتظار رأي أمريكا فعلا!
والعجب أننا في مقابل ذلك المدح لاستقلال القرار الكويتي والقطري، نرى هزء القديمي من زعم استقلال القرار الإيراني، مستندا إلى سعي الإيرانيين إلى جذب الرضا الأمريكي والسماح بتفتيش المواقع النووية! هكذا نجد في مآل خطابه (الكويت وقطر) دولتين طبيعيتين مستقلتي القرار، و(إيران) أكذوبة شاذة غير مستقلة القرار!
ومن اعتاد حياة الرغداء ممدا موطؤا رأسه بالأحذية الأمريكية، لابد أن يعجز عن رؤية كل مستقيم الظهر ندا لسيده إلا معوجا مرقع الثياب!
نحن في زمن يصرخ فيه الموطؤ في القائم: أيا شحاذ اقتدِ!
هذا ومن أبرز التدليسات في كلامه قوله (إيران دخلت في مواجهة مع الغرب لأنه غلب عليها الخطاب العقائدي الأيديولوجي الطائفي لا السياسي، ولأنها انخرطت في مشروع للهيمنة على المنطقة مدفوعة بخيالاتها الإمبراطورية لا من أجل فلسطين)، وبصرف النظر الآن عن ذمه أن يكون للدولة خطابا عقائديا، وهو كاشف أكبر لنزعته الانتهازية النفعية معدومة الأخلاق – وقد كرر هذا الكلام بصورة أكبر لاحقا في مجموعة منشورات أثناء حرب التحالف الأمريكي الإسرائيلي الخليجي ضد إيران في منتصف 2026 – فإن زعم مواجهة إيران للغرب وأمريكا بناء على رؤية الهيمنة الإمبراطورية التي ظهرت في الألفية الجديدة، هو أكذوبة جوفاء، فإيران (المقاومة للشاه) في صدام مع الغرب وأمريكا منذ عصر مصدَّق بل أبعد من ذلك. لكن منهجه في خلط كل شيء لتأكيد كلامه مرر هذه دون انتباه!
هذا وما يذمه منطق الكلام، من أن يكون لأي دولة أحلام توسع أو تضخُّم، وطموحات هيمنة وبناء قوة، ما سيجعلها تصطدم لا محالة بأمريكا أو كل من في مصلحته بقاء الوضع الراهن، هو من أذلِّ ما في هذا الخطاب! حتى الولايات المتحدة تتحدث دوما عن طموحات دائمة لا تتوقف في التوسع، سواء توسع الأسواق والثقافة وعولمة أفكارها وقوانينها، أو كما هو صاعد مؤخرا توسُّع حقيقي إمبراطوري على الطراز القديم. حلال لأمريكا وأمثالها تلك الأحلام، أما أن تحلم دولة عندنا بهذا فهي (دولة غير طبيعية) بالتأكيد! لكن ليت القديمي يلتزم بهذا وينقد الإمارات التوسعية هي الأخرى بنفس حرارة نقده لإيران، لكن الإمارات بالطبع لن تصبح (دولة غير طبيعية) ما دامت لا تواجه أمريكا وتعمل في مظلتها بل ولخدمة مشاريعها هي وربيبتها! وليته يلتزم بذلك ويهزأ بخطاب إعلام ملكه السعودي الذي يريد (زعامة العرب) لا عن طريق تبني قضاياهم الكبرى الملحة والانخراط فيها، بل عن طريق سب ذبابه للشعوب المحيطة وإهانتهم والمنِّ عليهم بالمساعدات! هذه كلها (دول طبيعية) عنده وإيران هي الدولة (غير الطبيعية)! إن صناعة مشروع توسعي وتقسيمي وظيفي في خدمة المشاريع الأمريكية الأكثر تطرفا هو صناعة إسرائيل عربية، وهذا بعينه هو وصف الإمارات (الدولة الطبيعية)!
ختاما، بقي أن نوضح ثلاثة أمور:
أولا. أن بيان استقلال القرار الإيراني مقارنة بالخليج لا يعني تبرئة النظام الإيراني من قذارة أفعاله في أمتنا، وكيف كان اعتقاده وسلوكه وبالا علينا كأهل سنة، لكن موضع النقد الآن هو توصيف السلوك الإيراني المبني على عقيدة دينية وفعل مقاوم لهيمنة أمريكا وإسرائيل، بكونه سلوكا شاذا غير طبيعي، مقابل السلوك الخليجي، الذي هو بعينه السلوك الطبيعي العقلاني!
ثانيا. من الضروري التنبيه على أنه لا يلزم تمثُّل أركان الساداتية الجديدة كافة في كل دولة خليجية أو في المغرب، فالإمارات مثلا قد استوفت العقيدة السياسية الخارجية الساداتية كاملة وزادت عليها بأشواط التصهين الحقيقي، لكن السعودية خاصة في ركن التطبيع مع إسرائيل تشهد ترددا بل تراجعا واضحا بعد نجاح النظام السعودي في تقديم نفسه لأمريكا كداعم مالي سخي لا يحتاج إلى وسيط إسرائيلي كي يُرضي واشنطن تمام الرضا.
ثالثا. من أبرز الفوارق كذلك بين الساداتية القديمة والجديدة، هو بناء السادات أفعاله وخطابه حينها بمنطق الضرورة السياسية والاقتصادية والعسكرية، لعظم الضغط عليه حينها وانزلاق البلد نحو دوامة أزمات بعد حرب أكتوبر، بينما يبني خطاب الساداتية الجديدة الحالي منطقه كاختيار حر واعٍ يفرق بين (الدولة الطبيعية) و(الدولة الشاذة). فالخضوع لأمريكا هنا اختيار العقلاء، لا ضرورة ظرفية، ومقاومة أوامرها أفعال الشواذ والمجانين، لا فعل ممدوح مبرر.

اترك تعليقا