الدور المحوري للمعارض في فتح أسواق عالمية

من المحلية إلى العالمية

الرائد: لم تعد المعارض والمؤتمرات الدولية مجرد مناسبات للترويج التجاري أو اللقاءات المهنية، بل تحولت إلى صناعة عالمية تسهم في جذب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وتنشيط السياحة، وتعزيز الصادرات، وخلق فرص العمل. وتشير الدراسات الاقتصادية إلى أن المدن التي نجحت في بناء صناعة قوية للمعارض والمؤتمرات أصبحت أكثر قدرة على استقطاب الشركات العالمية والمستثمرين، وتحويل نفسها إلى مراكز إقليمية للتجارة والابتكار.

وتؤكد الرابطة العالمية لصناعة المعارض (UFI) أن المعارض التجارية تمثل أحد أهم أدوات ربط المنتجين بالمشترين، وتسهيل عقد الصفقات التجارية، وعرض الابتكارات الجديدة، فيما تشير منظمة السياحة التابعة للأمم المتحدة (UN Tourism) إلى أن سياحة الاجتماعات والحوافز والمؤتمرات والمعارض تعد من أعلى أنماط السياحة إنفاقًا، وتسهم بصورة مباشرة في تنشيط قطاعات الفنادق، والنقل، والمطاعم، والخدمات.

وتاريخيًا، ارتبط ازدهار المدن الإسلامية الكبرى بالمواسم والأسواق التجارية التي كانت تجمع التجار من مناطق واسعة. فقد شكلت أسواق مثل عكاظ، والمربد، والأسواق الموسمية في دمشق والقاهرة وبغداد وفاس وسمرقند منصات لعرض السلع، وعقد الصفقات، وتبادل الخبرات والمعارف، وهو ما جعلها تؤدي دورًا اقتصاديًا وثقافيًا يتجاوز مجرد البيع والشراء.

ويشير المؤرخ الاقتصادي فرنان بروديل إلى أن الأسواق الكبرى والمعارض التجارية عبر التاريخ كانت من أهم المحركات التي ساعدت على انتقال السلع ورؤوس الأموال والأفكار، وأسهمت في صعود المراكز التجارية العالمية.

ويمتلك العالم العربي والإسلامي مقومات تؤهله ليكون أحد أهم مراكز صناعة المعارض الدولية، بفضل موقعه الجغرافي الذي يربط آسيا وإفريقيا وأوروبا، إضافة إلى تطور البنية التحتية للمطارات، ومراكز المؤتمرات، والفنادق، وشبكات النقل في عدد من دوله.

ومن أبرز فرص التكامل إنشاء أجندة سنوية للمعارض العربية والإسلامية المتخصصة، بحيث تتوزع على قطاعات مثل الصناعات الدوائية، والتقنيات الزراعية، والاقتصاد الإسلامي، والطاقة، والتعليم، والصناعات الدفاعية المدنية، والسياحة، والابتكار، بما يمنع التداخل ويزيد من المشاركة الدولية.

كما يمكن إنشاء منصة إلكترونية موحدة للترويج لهذه الفعاليات، وتسهيل تسجيل الشركات، وتبادل البيانات، وربط المعارض بمنصات التجارة الإلكترونية، بما يوسع أثرها الاقتصادي ويجعلها مستمرة بعد انتهاء الفعاليات الحضورية.

وتؤكد مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) أن المعارض الدولية تعد من الوسائل الفعالة لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، لأنها تتيح لها الوصول إلى أسواق جديدة، والتعرف على التقنيات الحديثة، وإقامة شراكات تجارية واستثمارية.

ومن الناحية الاقتصادية، تسهم صناعة المعارض في تنشيط قطاعات متعددة، منها الطيران، والنقل البري، والفنادق، والمطاعم، والإعلان، والطباعة، والخدمات اللوجستية، وتقنيات العرض، وخدمات الترجمة، وهو ما يضاعف أثرها على الناتج المحلي وفرص العمل.

كما تمثل المعارض العلمية والتعليمية فرصة لتعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث، وعرض الابتكارات، وربط الباحثين بالشركات والمستثمرين، بما يساعد على تحويل نتائج الأبحاث إلى منتجات وخدمات ذات قيمة اقتصادية.

لكن هذا القطاع يواجه تحديات، من بينها المنافسة العالمية بين المدن المستضيفة، وارتفاع تكاليف تنظيم الفعاليات الكبرى، والحاجة إلى كوادر متخصصة في إدارة المعارض، إضافة إلى أهمية تسهيل إجراءات التأشيرات والتنقل للمشاركين والزوار.

ويرى خبراء الرابطة العالمية لصناعة المعارض أن نجاح هذا القطاع يعتمد على استمرارية الفعاليات، وتخصصها، وجودة التنظيم، وربطها باحتياجات الأسواق، وليس فقط بحجم المساحات أو أعداد الزوار.

ويتوقع خبراء UN Tourism وUFI استمرار نمو صناعة المعارض والمؤتمرات خلال السنوات المقبلة، مع تزايد الاعتماد على النماذج الهجينة التي تجمع بين الحضور المباشر والمنصات الرقمية، واتساع دورها في دعم التجارة والاستثمار والابتكار.

إن العالم العربي والإسلامي يمتلك من المقومات الجغرافية والاقتصادية ما يؤهله ليصبح مركزًا عالميًا لصناعة المعارض والمؤتمرات. وإذا نجحت دوله في تنسيق أجندتها، وتطوير بنيتها التنظيمية، وربط هذه الفعاليات بالتجارة والاستثمار والبحث العلمي، فإن هذا القطاع يمكن أن يتحول إلى محرك اقتصادي مهم يعزز الصادرات، ويجذب الاستثمارات، ويدعم التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة.

المصادر:

الرابطة العالمية لصناعة المعارض UFI، منظمة السياحة التابعة للأمم المتحدة UN Tourism، مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD، البنك الدولي، أعمال المؤرخ فرنان بروديل في تاريخ التجارة العالمية، منظمة التعاون الإسلامي، تقارير صناعة الاجتماعات والمعارض الدولية.

اترك تعليقا