الخليل تحت الحصار وآلاف الفلسطينيين يواجهون النزوح
تصعيد مستمر ومخاوف من نزوح جماعي للفلسطينيين
- dr-naga
- 29 أكتوبر، 2026
- تقارير وترجمات
- الأمم المتحدة, الخليل, العمليات العسكرية الإسرائيلية, الفلسطينيين, النزوح, تهجير الفلسطينيين, مدينة الخليل
تتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية في مدينة الخليل ومناطق من محافظتها على التوالي، وسط اتساع عمليات الإخلاء والمداهمات وفرض القيود على الحركة، فيما تتصاعد المطالب الفلسطينية بالتدخل الدولي لوقف تهجير السكان وحماية المدنيين. وتقول السلطات الإسرائيلية إن تحركاتها تأتي في أعقاب هجوم أدى إلى مقتل جنديين إسرائيليين، بينما تحذر الأمم المتحدة من أن الإغلاق الواسع يقيّد وصول الفلسطينيين إلى الخدمات الأساسية ومصادر الرزق.
وفي تطور جديد نُشر اليوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا»، نقلًا عن لجنة المتابعة والدعم والإغاثة في الخليل، بأن عدد الفلسطينيين الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم بلغ نحو 3971 شخصًا، فيما تأثرت 619 أسرة، وسُجل اعتقال 85 فلسطينيًا منذ بدء العمليات. وهذه أرقام صادرة عن جهات فلسطينية محلية، وليست حصيلة مستقلة أعلنتها الأمم المتحدة، ما يستدعي نسبتها إلى مصدرها عند تداولها.
المحافظ الفلسطيني: العائلات تُجبر على مغادرة منازلها
قال محافظ الخليل خالد دودين، في تصريحات نقلتها «وفا» اليوم، إن القوات الإسرائيلية تواصل مداهمة المنازل وتفتيشها وإتلاف محتوياتها، وإن عمليات الإخلاء طالت عائلات في منطقتي الجلدة ودير بحة.
وأوضح دودين أن المحافظة تواجه قيودًا واسعة على الحركة، مع إغلاق مداخل وطرق ونصب حواجز عسكرية، مشيرًا إلى أن السلطات المحلية تعمل على تقديم المساعدة للعائلات المتضررة.
وفي سياق التحرك الدبلوماسي، أطلع دودين، اليوم، نحو 20 سفيرًا وممثلًا دبلوماسيًا معتمدًا لدى دولة فلسطين على التطورات الميدانية والآثار الإنسانية والاقتصادية للعملية العسكرية. ونُظم اللقاء عبر الاتصال المرئي بالتنسيق مع وزارتي الخارجية والعمل الفلسطينيتين.
وطالب المحافظ المجتمع الدولي باتخاذ خطوات عاجلة لحماية المدنيين ووقف الإجراءات التي تؤدي إلى نزوح السكان، مؤكدًا أن الأضرار لا تقتصر على المنازل، بل تشمل النشاط التجاري والحياة اليومية في المحافظة.
وتكشف هذه التصريحات عن جانب من الأزمة التي تواجه السلطات المحلية: فحتى مع بدء توزيع المساعدات، يصعب الوصول إلى بعض العائلات بسبب الإغلاقات، بينما لا تتوافر أماكن إيواء كافية لجميع المتضررين وفق البيانات الفلسطينية المنشورة.
الأمم المتحدة: القيود تمس الخدمات وسبل العيش
أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلق بالغ إزاء إغلاق مناطق واسعة في الضفة الغربية، وما أُثير بشأن هدم منازل واحتمال نزوح مزيد من السكان في الخليل.
ونقل المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، في الإحاطة الصحفية المنشورة اليوم، موقف غوتيريش الذي شدد على أن القيود المفروضة تعرقل حركة الفلسطينيين ووصولهم إلى الخدمات الأساسية ومصادر الدخل.
كما حذرت مي الشيخ، المتحدثة باسم مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، من أن الإجراءات الإسرائيلية تندرج، بحسب تقييم المكتب، ضمن نمط متكرر من القيود الجماعية التي تُفرض عقب هجمات ينفذها فلسطينيون ضد جنود أو مستوطنين إسرائيليين.
وربطت مي الشيخ بين الإغلاق الحالي وموسم قطف الزيتون، موضحة أن القيود تمنع آلاف المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، بما يهدد مصدر دخلهم ومحاصيلهم.
وذكر المكتب الأممي أنه وثق أكثر من 160 اعتداءً نفذه مستوطنون خلال الأسبوعين الأولين من أكتوبر، شملت إطلاق النار وإضرام الحرائق وسرقة المحاصيل وإلحاق أضرار ببساتين الزيتون. وهذه حصيلة أممية للفترة المحددة، وليست تقديرًا لجميع الاعتداءات التي وقعت خلال الشهر.
لماذا تتحدث المؤسسات الحقوقية عن العقاب الجماعي؟
لا يقتصر الاعتراض الأممي على حجم العملية العسكرية، بل يشمل طبيعة الإجراءات ومدى امتدادها إلى أشخاص لا توجد أدلة معلنة على ارتباطهم بالهجوم.
فقد قالت مي الشيخ إن الإغلاق الواسع يعكس، في تقييم مكتب حقوق الإنسان، نمطًا من العقاب الجماعي، مشيرة إلى إغلاق مداخل الخليل ومخارجها وإغلاق المسجد الإبراهيمي أمام المصلين.
ويحظر القانون الدولي الإنساني العقوبات الجماعية على الأشخاص المحميين، كما يفرض على القوة القائمة بالاحتلال التزامات تتعلق بحماية السكان المدنيين. لكن التقييم القانوني لكل إجراء يتطلب النظر في ظروفه وأهدافه وآثاره، ولا ينبغي الخلط بين تحذير صادر عن مؤسسة دولية وبين حكم قضائي نهائي بشأن واقعة محددة.
وفي المقابل، فإن مقتل جنديين إسرائيليين في الهجوم الذي سبق العملية يمثل واقعة خطيرة تستوجب التحقيق ومحاسبة المسؤولين عنها. ولا يلغي ذلك الالتزامات القانونية المتعلقة بحماية المدنيين الفلسطينيين، كما لا يجعل جميع سكان المناطق التي ينفذ فيها الجيش عملياته مسؤولين عن الهجوم.
جوهر الخلاف هنا هو حدود الإجراءات الأمنية: ما التدابير الضرورية لمنع هجمات جديدة، وما الإجراءات التي تتجاوز هذا الهدف وتوقع أضرارًا واسعة بالسكان وممتلكاتهم؟
البلدية تحذر من أزمة إيواء وخسائر اقتصادية
تتجاوز آثار الإغلاق مسألة النزوح المباشر، إذ تشمل تعطيل المصالح التجارية وصعوبة الوصول إلى العمل والمدارس والمرافق الطبية.
وتشير بيانات فلسطينية محلية إلى أن مئات الأسر اضطرت إلى اللجوء إلى أقاربها، بينما لم تتمكن أسر أخرى من العثور على أماكن آمنة للإقامة. وبدأت لجنة الإغاثة والمساندة توزيع دفعات أولية من المساعدات والاحتياجات الأساسية، بالتعاون مع مؤسسات حكومية وأهلية وممثلين عن القطاع الخاص والمجتمع المحلي.
لكن هذه المساعدات لا تعالج وحدها الخسائر الناتجة عن إغلاق المحال والطرق وتعطل النشاط الاقتصادي. فاستمرار القيود قد يحرم العمال من أجورهم، ويعطل نقل البضائع، ويزيد الأعباء على الأسر التي فقدت مساكنها أو مصادر دخلها.
وفي تقرير منفصل اليوم، أفادت «وفا» بأن بلدية الخليل أحصت 488 أسرة متضررة في مرحلة سابقة من عمليات الحصر، مع تقديرات تقارب 3171 شخصًا أُجبروا على مغادرة منازلهم. ثم نشرت اللجنة المختصة تحديثًا لاحقًا رفع العدد إلى نحو 3971 شخصًا.
ويُظهر اختلاف الأرقام أهمية الانتباه إلى توقيت كل حصيلة والجهة التي أصدرتها؛ فالأرقام تتغير مع استمرار العمليات وتحديث قوائم الأسر المتضررة.
الموقف الإسرائيلي: مبررات أمنية وأسئلة عن التناسب
جاءت العملية الإسرائيلية عقب هجوم مسلح قرب نقطة تفتيش خارج الخليل، أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة آخرين، وفق المعلومات التي أوردتها الأمم المتحدة.
وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تشديد الإجراءات الأمنية في الخليل، بما يشمل عمليات تفتيش ومداهمات وإجراءات تستهدف منع هجمات أخرى، بحسب ما أوردته التقارير المنشورة عن التطورات.
ويمثل منع الهجمات وحماية الجنود والمدنيين الإسرائيليين مبررًا أمنيًا معلنًا للعملية. غير أن هذا المبرر لا يحسم وحده قانونية كل إجراء منفذ خلالها؛ إذ ينبغي فحص مدى الضرورة والتناسب، وأثر القيود في المدنيين، ومدى وجود بدائل أقل ضررًا، فضلًا عن التحقيق في أي انتهاكات محتملة.
وفي المقابل، تتهم جهات فلسطينية إسرائيل باستخدام الهجوم لتوسيع الضغط على السكان، وترى أن عمليات الإخلاء وهدم الممتلكات تتجاوز ملاحقة المسؤولين عن الهجوم. وتبقى هذه اتهامات فلسطينية ينبغي عرضها منسوبة إلى أصحابها، مع مطالبة السلطات الإسرائيلية بتقديم معلومات تفصيلية عن الأساس الأمني لكل إجراء، وإتاحة التحقق المستقل من الوقائع.
التحرك الدولي: هل يتجاوز الإدانة إلى إجراءات عملية؟
أطلع محافظ الخليل الدبلوماسيين الأجانب على التطورات، مطالبًا بتحرك دولي لحماية السكان ووقف الإخلاءات. وفي الوقت نفسه، دعت الأمم المتحدة إلى وقف أعمال العنف وضبط النفس وتجنب خطوات من شأنها زيادة التوتر.
لكن الفارق يظل كبيرًا بين صدور تصريحات تحذيرية وبين اتخاذ خطوات عملية تؤثر في مسار الأحداث. ومن أبرز الإجراءات التي يمكن للجهات الدولية متابعتها: ضمان وصول المساعدات إلى الأسر المتضررة، ومراقبة ظروف الإخلاء والاعتقال، والتحقق من تقارير هدم المنازل، والضغط لضمان وصول المرضى إلى العلاج، ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات المثبتة.
كما أن حماية الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين تتطلب إجراءات مستقلة عن التحقيق في الهجوم المسلح؛ فالمسؤولية عن كل واقعة ينبغي أن تُحدد وفق الأدلة، لا على أساس الانتماء الوطني أو السكن في منطقة معينة.
ما الذي ينبغي متابعته خلال الأيام المقبلة؟
ستتحدد التطورات المقبلة وفق عدة مؤشرات: مدى استمرار الإغلاق، وعدد العائلات التي تتمكن من العودة إلى منازلها، وحصيلة الاعتقالات، ووضع المسجد الإبراهيمي، وقدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم، ونتائج التحرك الدبلوماسي الفلسطيني.
ومن الضروري أيضًا رصد أي بيانات إسرائيلية تفصيلية بشأن أهداف العملية ومدتها، ومقارنتها بالوقائع الميدانية التي توثقها المؤسسات الإنسانية والحقوقية.
الخلاصة: تواجه الخليل أزمة تتداخل فيها تداعيات هجوم مسلح مع إجراءات عسكرية واسعة وآثار إنسانية واقتصادية على السكان. وتعرض السلطات الفلسطينية أرقامًا متزايدة عن النزوح والاعتقالات، بينما تحذر الأمم المتحدة من القيود على الحركة وسبل العيش ومن مخاطر العقاب الجماعي. ويظل التحدي أمام الأطراف الدولية هو تحويل التحذيرات إلى حماية فعلية للمدنيين، مع التحقيق في الهجوم والانتهاكات المحتملة على أساس الأدلة والقانون.
المصادر
•الأمم المتحدة في فلسطين
•وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا»