الخليج بين تهديدات الحرب وفرص الاحتواء الدبلوماسي
بعدما تجاوزت المواجهة حدود الصراع التقليدي
- السيد التيجاني
- 18 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- التصعيد العسكري, الولايات المتحدة, منطقة الخليج, واشنطن وطهران
أدخلت الضربات الإيرانية التي استهدفت منشآت حيوية في الكويت والبحرين والأردن منطقة الخليج مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما تجاوزت المواجهة حدود الصراع التقليدي لتطال البنية التحتية المدنية وقطاعات الطاقة والكهرباء وتحلية المياه. وقد أثارت هذه التطورات موجة إدانات عربية وخليجية واسعة، وسط تحذيرات من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى تداعيات أمنية واقتصادية تتجاوز حدود الدول المستهدفة وتمتد إلى الأسواق العالمية وخطوط التجارة الدولية.
وتعكس ردود الفعل الخليجية إجماعًا على اعتبار استهداف المنشآت المدنية انتهاكًا للقانون الدولي، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تحرك دولي لاحتواء الأزمة ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع.
مرحلة مختلفة من التصعيد
يرى مراقبون أن استهداف محطات الكهرباء والمياه والمنشآت النفطية يمثل تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع، إذ لم تعد المواجهة مقتصرة على المواقع العسكرية، بل امتدت إلى مرافق تمس الحياة اليومية للمواطنين والاقتصاد الوطني.
ويؤكد الخبير العسكري اللواء المتقاعد فايز الدويري أن استهداف البنية التحتية يهدف إلى ممارسة ضغط سياسي ونفسي على الحكومات، موضحًا أن مثل هذه العمليات تحمل رسائل تتجاوز البعد العسكري، وتسعى إلى إظهار القدرة على تعطيل الخدمات الأساسية وإرباك المؤسسات الحيوية.
ويضيف أن الهجمات على منشآت الطاقة غالبًا ما تُستخدم كورقة ضغط في النزاعات الإقليمية، لكنها في الوقت نفسه تزيد احتمالات الردود العسكرية وتوسيع دائرة الصراع.
موقف خليجي موحد
أظهرت البيانات الصادرة عن مجلس التعاون الخليجي والدول الأعضاء درجة عالية من التنسيق السياسي، إذ أكدت جميعها الوقوف إلى جانب الدول المستهدفة، ورفض أي اعتداء على سيادتها أو منشآتها الحيوية.
ويرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور عبدالخالق عبدالله أن وحدة الموقف الخليجي تحمل رسالة واضحة بأن أمن أي دولة خليجية يعد جزءًا من الأمن الجماعي، وأن أي استهداف لدولة واحدة سيواجه بموقف سياسي موحد.
ويشير إلى أن التنسيق الخليجي خلال الأزمات أصبح أكثر تطورًا مقارنة بسنوات سابقة، سواء في تبادل المعلومات الأمنية أو تنسيق المواقف الدبلوماسية.
انعكاسات على أمن الطاقة
تمثل منطقة الخليج القلب النابض لأسواق الطاقة العالمية، ولذلك فإن أي هجوم على منشآت النفط أو الكهرباء يثير مخاوف المستثمرين ويرفع مستويات القلق في الأسواق.
ويقول خبير اقتصاد الطاقة الدكتور كمال ديب إن استهداف منشآت الطاقة لا يقتصر أثره على الدولة المستهدفة، بل ينعكس على أسعار النفط وسلاسل الإمداد العالمية، خاصة إذا استمرت الهجمات أو توسعت لتشمل منشآت إنتاج وتصدير رئيسية.
ويضيف أن الأسواق المالية تتفاعل بسرعة مع أي مؤشرات على اضطراب الإمدادات، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والشحن البحري.
تحديات حماية المنشآت الحيوية
أعادت الهجمات الأخيرة تسليط الضوء على أهمية حماية البنية التحتية الحساسة، خصوصًا محطات الكهرباء والمياه والموانئ والمطارات.
ويرى الخبير الأمني الدكتور إبراهيم آل مرعي أن التطور الكبير في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة فرض تحديات جديدة أمام منظومات الدفاع الجوي، ما يتطلب تحديثًا مستمرًا لقدرات الرصد والاعتراض.
كما يشدد على أهمية تكامل أنظمة الإنذار المبكر بين دول الخليج، وتبادل المعلومات الاستخباراتية بصورة فورية لمواجهة أي تهديدات محتملة.
القانون الدولي أمام اختبار جديد
أثارت الهجمات نقاشًا واسعًا حول المسؤولية القانونية لاستهداف المنشآت المدنية.
ويؤكد أستاذ القانون الدولي الدكتور أيمن سلامة أن القانون الدولي الإنساني يحظر استهداف المرافق المدنية التي تقدم خدمات أساسية للسكان، ما لم تتحول إلى أهداف عسكرية مباشرة.
ويرى أن أي هجمات تتسبب في تعطيل خدمات الكهرباء والمياه أو تهدد حياة المدنيين تثير تساؤلات قانونية كبيرة، وقد تدفع نحو مطالبات بإجراء تحقيقات دولية إذا ثبت وقوع انتهاكات للقانون الدولي.
الاقتصاد الخليجي وقدرته على الصمود
ورغم خطورة التطورات، يشير خبراء الاقتصاد إلى أن دول الخليج تمتلك قدرات مالية وبنية مؤسسية تساعدها على احتواء آثار الأزمات.
ويقول المحلل الاقتصادي الدكتور محمد العريان إن اقتصادات الخليج أصبحت أكثر استعدادًا للتعامل مع الصدمات مقارنة بالعقود الماضية، بفضل تنويع مصادر الدخل وارتفاع الاحتياطيات المالية والاستثمارات في البنية التحتية.
لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن استمرار التصعيد لفترة طويلة قد يرفع تكاليف التشغيل والتأمين والاستثمار، ويؤثر في خطط التنمية الاقتصادية.
التأثير على حركة الملاحة
يرتبط أمن الخليج ارتباطًا مباشرًا بحركة التجارة العالمية، خصوصًا مع مرور نسبة كبيرة من صادرات النفط عبر الممرات البحرية في المنطقة.
ويرى الخبير البحري الكابتن محمد الشامسي أن أي تصعيد عسكري يرفع من تكلفة التأمين على السفن ويؤدي إلى تغيير بعض خطوط الملاحة، ما ينعكس على أسعار السلع والنقل البحري.
كما يشير إلى أن شركات الشحن العالمية تتابع التطورات الأمنية بصورة دقيقة قبل اتخاذ قراراتها التشغيلية.
المواقف الدولية
تتابع القوى الدولية تطورات الأزمة بحذر، نظرًا لما تمثله منطقة الخليج من أهمية استراتيجية للاقتصاد العالمي.
ويرى الباحث في العلاقات الدولية الدكتور عبدالعزيز بن صقر أن المجتمع الدولي سيواصل الضغط من أجل منع توسع الصراع، لأن أي مواجهة إقليمية واسعة قد تؤثر في استقرار الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
ويضيف أن التحركات الدبلوماسية ستظل الخيار الأكثر ترجيحًا لدى معظم القوى الكبرى، رغم استمرار دعمها لحماية أمن حلفائها في المنطقة.
الرأي العام الخليجي
أثارت الهجمات حالة من التضامن الشعبي الواسع مع الدول المستهدفة، حيث تصدرت الدعوات إلى تعزيز الأمن الوطني ودعم القوات المسلحة ومنظومات الدفاع المدني.
ويرى علماء الاجتماع أن مثل هذه الأزمات غالبًا ما تعزز التماسك الداخلي، لكنها في الوقت نفسه تزيد من مخاوف المواطنين بشأن استمرار التصعيد وتأثيره على الحياة اليومية.
التحديات المقبلة
يرى الخبراء أن المرحلة المقبلة ستواجه عدة تحديات رئيسية، أبرزها:
حماية المنشآت الحيوية من الهجمات المتكررة.
تعزيز التعاون الدفاعي والاستخباراتي بين دول الخليج.
الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة.
منع انتقال التصعيد إلى دول أخرى.
استمرار الجهود الدبلوماسية لاحتواء الأزمة.
تقليل الآثار الاقتصادية على الاستثمارات والتجارة.
السيناريوهات المحتملة
يتوقع محللون ثلاثة سيناريوهات رئيسية خلال الفترة المقبلة.
السيناريو الأول يتمثل في احتواء التصعيد عبر ضغوط دبلوماسية تؤدي إلى خفض العمليات العسكرية وفتح قنوات تفاوض.
أما السيناريو الثاني فيقوم على استمرار الضربات المتبادلة بوتيرة محدودة، مع تركيز كل طرف على توجيه رسائل ردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
في حين يبقى السيناريو الثالث، وهو الأخطر، قائمًا في حال توسعت العمليات لتشمل مزيدًا من المنشآت الحيوية أو دخلت أطراف إقليمية إضافية على خط المواجهة، الأمر الذي قد ينعكس بصورة مباشرة على أمن الخليج والاقتصاد العالمي.
تكشف التطورات الأخيرة أن منطقة الخليج تمر بواحدة من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات، في ظل انتقال الصراع إلى استهداف البنية التحتية المدنية وما يحمله ذلك من تداعيات أمنية واقتصادية وإنسانية.
وبينما تؤكد الدول الخليجية تمسكها بحقها في حماية أمنها وسيادتها، تتزايد الدعوات الإقليمية والدولية لتغليب الحلول السياسية ومنع اتساع دائرة المواجهة. وستظل قدرة الأطراف على احتواء التصعيد، وتعزيز التعاون الأمني والدبلوماسي، العامل الحاسم في تحديد مستقبل الاستقرار الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.
