كيف تدير أمريكا وأدواتها “الانفجار الكبير ..

عدنان الروسان يكتب

الامر ليس كما تتخيلون و القادم رهيب
هل نتحول نحن العرب و ايران إلى “خفراء” في مملكة إسرائيل الكبرى

إنها الحرب الكبرى؛ تلك التي تخوضها القوة الخفية التي تدير العالم من وراء ستار شفاف، نوقن بوجودهم من خلاله ولكننا لا نراهم.

الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ليست مجرد حرب لتغيير نظام سياسي كما يدعون، ولا هي لفتح مضيق هرمز الذي ظل مفتوحاً والملاحة فيه تجري بلا عوائق تُذكر. وليست الحرب كذلك لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، حتى لو صدعوا رؤوسنا بهذا الزعم؛ فباكستان والهند وكوريا الشمالية يمتلكون السلاح النووي ولم يتغير وجه العالم، فضلاً عن أن القنبلة الذرية – إن امتُلكت – هي سلاح ردع استراتيجي لحماية البقاء وليست أداة للقتال اليومي المباشر.

إذن.. لماذا الحرب الآن، وبلا ذريعة حقيقية؟
الجواب يكمن في أن العالم وصل إلى لحظة المخاض الكبرى، لحظة التغييرات التاريخية الشاملة. الصين تقف اليوم على عتبة الصدارة العالمية، وفي عالمنا هذا: من يملك الطاقة، يملك كوكب الأرض كله.

غير أن هذه الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد لا تكون سوى جبهة تشتيت وتغطية أخرى تخدم مسار “مافيا الروحانيين” (Spiritual Mafia) نحو هدفهم الأبعد: فرض الهويات الرقمية، وتعميم سلسلة الكتل العالمية (Blockchain) التي نتحول في ظلها من مواطنين إلى مجرد “عقد رقمية” في نظام عبودية مطوّر، محكوم بالعملات الرقمية المركزية. إنهم يمهدون الأرض لإدخال نظام السيطرة الكلية على العقول، وهو النظام الذي يصرون على تسميته بـ “العصر الذهبي”، أو عصر “الوعي الجديد”، أو “النظام العالمي الجديد” (NWO). بينما الحقيقة الصادمة أن كل هذه الصدمات المتتالية تُصنع لـتُفقد الجماهير وعيها، وتجعلها أكثر طواعية للتشكيل وإعادة الصياغة، تماماً كما حللت الكاتبة جيل ميكاليس (Jillia Michealis) في قراءتها العميقة التي تضرب أصل المشكلة بعيداً عن التحليلات العاطفية السطحية.

الحرب هي الخطة بعينها! إنها المسرحية العالمية التي تتكشف فصولها الآن، وتتمحور بالكامل حول ثلاثة مرتكزات: الطاقة، التجارة، والبنية التحتية الرقمية. وقريباً، ستصرخ الجماهير فاقدة الوعي والقدرة على المبادرة طلباً لـ “مخلص” ينقذها من هذه الفوضى الخلاقة المصنوعة بعناية.. وتخمينكم في محله؛ سيحصلون عليه في صورة “المسيح الدجال” أو الزائف، المتمثل في تلك الحكومة الخفية التي تسعى لبسط سيطرتها المطلقة على منابع النفط والطاقة الكبرى في العالم: من فنزويلا والعراق والخليج، وصولاً إلى إيران وغرينلاند.

في هذا المشهد، لا يبدو دونالد ترامب “سوبرمان” ولا هو بالغبي؛ بل هو واجهة واعية لدورها، تنفذ المهمة ببرود ووقاحة منقطعة النظير، دون اكتراث ببروتوكول أو دبلوماسية، ودون إقامة أي وزن لحليف أو تجمع دولي. الهدف الواضح هو إطباق السيطرة على النفط والطاقة لوضع الصين أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الركوع والاستسلام للهيمنة الأمريكية الجديدة، أو مواجهة حرب عالمية ثالثة تقدّر الحكومة الخفية أن بكين لن تجازف بخوضها تجنباً لإبادة مئات الملايين من شعبها.

وهم التحكم المطلق وصدمة الواقع
لكن، ومع قتامة هذا المخطط، يجب ألا نقع في فخ الاستسلام لوهم “التحكم المطلق والمغلق”. التاريخ السياسي يثبت دائماً أن السيطرة المطلقة وهم تفككه فوضى المصالح وتعدد الفاعلين. القوى الكبرى ليست كتلة صماء واحدة، والصين وروسيا ليستا مجرد حجر شطرنج ساكن، بل هما قوتان تعيدان صياغة النظام المالي العالمي عبر تكتلات صاعدة (مثل بريكس) وتراجع هيمنة الدولار.

كذلك، فإن ما يروج له اليمين المتطرف والساسة الغربيون من إخضاع مكة المكرمة والكعبة المشرفة لإدارة إسرائيلية كجزء من دولة “إسرائيل الكبرى” وإحلال “الديانة الإبراهيمية” بدلاً من الإسلام، يظل في جوهره أدوات حرب نفسية وشعبوية انتخابية. في الحسابات الجيوسياسية الباردة، المساس بالرموز السيادية والمقدسات الإسلامية الكبرى يعني تفجير غضب ملياري مسلم حول العالم، وهو سيناريو انتحاري يهدد بابتلاع مصالح القوى الكبرى في لحظات، وهي مغامرة لا تجرؤ أي حكومة خفية أو معلنة على الإقدام عليها عملياً.

إن الحرب تهدف بلا شك إلى كسر شوكة العرب وإخضاعهم وإضعاف قدرتهم على التأثير، خاصة وأن ممرات الطاقة الأكثر حيوية في العالم تقع في قلب جغرافيتنا: قناة السويس، مضيق باب المندب، مضيق هرمز، ومضيق جبل طارق. من يسيطر على هذه الشرايين يسيطر على العالم ويفرض مشروعه للمائة سنة القادمة. وأمريكا التي تسيطر على نفط فنزويلا والعراق والخليج، تسعى اليوم لترويض إيران بعد إنهاكها وإخضاعها لشروطها، ورغم بوادر الوهن التي بدأت تظهر في الردود العسكرية الإيرانية مؤخراً بفعل حرب السنتين الأخيرتين، إلا أن قدرة الجغرافيا على المقاومة تظل متغيرة وغير مضمونة النتائج لطرف على حساب الآخر.

الرسالة الموجهة إلى الصين اليوم واضحة: النفط والطاقة اللذان تحتاجون إليهما بين أيدينا وعليكم الإذعان.
والرسالة الموجهة إلينا نحن العرب أكثر وقاحة: اليوم أنتم لا تملكون نفطكم، بل هو ثروة أممية سنديرها شئتم أم أبيتم، وسنعيد صياغة هويتكم وثقافتكم، وسيكون تعاملكم بالدولار أو “بالكليك” والعملات المشفرة التي نديرها ونلغيها متى نشاء.

إن العمل الحقيقي الضروري والعاجل هو الإسراع في صياغة المشروع العربي المضاد بأقصى قوة وسرعة، وإعداد الجمهور لخوض معركة البقاء والسيادة. هذا المشروع يجب أن يقوم على ركائز صلبة:

السيادة التكنولوجية والرقمية: لا يمكننا مواجهة الهوية الرقمية والعملات المشفرة بالانعزال، بل بامتلاك البنية التحتية المستقلة، وبناء شبكات دفع وإدارة بيانات إقليمية تحمي الخصوصية العربية من الاختراق الخارجي.

الأمن الاستراتيجي (الغذاء، الماء، والطاقة): تحويل منطقتنا من مجرد معابر ومصادر للمواد الخام إلى مراكز تصنيع واستهلاك ذاتي، واستثمار ثرواتنا لضمان الاكتفاء الذاتي كدرع حماية ضد أي ابتزاز اقتصادي.

التعددية القطبية الذكية: الاستفادة من التوازنات الدولية الجديدة، واللعب على حبال المصالح المتبادلة بين الشرق الصاعد والغرب المتوجس، لفرض شروط تضمن مصالحنا العليا.

الوعي والتحصين الفكري: إعادة صياغة الوعي الشعبي والتعليمي ليرتكز على التفكير النقدي والتمسك بالهوية الثقافية والحضارية، لمواجهة محاولات تذويب المجتمعات وإخضاعها.

المشهد الختامي يقترب سريعاً، ونحن على أعتاب الانفجار الكبير. إما أن نتحرك الآن كقوة إقليمية تمتلك مشروعها الخاص للبقاء، أو أننا سنصحو يوماً ليقرأ عنا العالم في كتب التاريخ.. كما نقرأ نحن اليوم عن الهنود الحمر.

اترك تعليقا