الحرب الإيرانية تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وتربك الأسواق

مع مخاوف من استمرار الصراع

أدت الحرب بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها إلى إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي خلال الأشهر الثلاثة الماضية،  دفعت أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات، وأثارت موجة ٤ من القلق بشأن التضخم والنمو والاستقرار المالي في الأسواق الدولية. وبينما استفادت بعض القطاعات والأصول من أجواء التوتر، تكبدت قطاعات أخرى خسائر حادة وسط مخاوف من استمرار الصراع واتساع نطاقه.

النفط يقود موجة القلق العالمي

شهدت أسواق الطاقة أكبر التحولات، بعدما قفزت أسعار النفط بنحو 40% منذ اندلاع الحرب، متجاوزة حاجز 100 دولار للبرميل، في ظل اضطرابات الإمدادات عبر مضيق هرمز الذي يمر من خلاله جزء ضخم من تجارة النفط العالمية.

ورغم لجوء الاقتصادات الكبرى إلى السحب من الاحتياطيات الإستراتيجية وتكثيف البحث عن مصادر بديلة للطاقة، فإن المخاوف من نقص الإمدادات لا تزال تهيمن على تعاملات الأسواق.

ويرى محللون أن استمرار الأسعار المرتفعة للطاقة يهدد بإعادة موجة التضخم العالمية التي بدأت البنوك المركزية في احتوائها خلال العامين الماضيين. ويقول خبراء اقتصاد إن ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والإنتاج ينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات، ما قد يدفع البنوك المركزية إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة أو العودة إلى تشديد السياسة النقدية مجددا.

الذكاء الاصطناعي يخفف صدمة الأسواق

في المقابل، أظهرت أسواق الأسهم قدرة نسبية على الصمود، مدفوعة بالطفرة المستمرة في قطاع الذكاء الاصطناعي. فقد واصلت أسهم التكنولوجيا الأمريكية والأوروبية تسجيل مكاسب قوية، وسجلت مؤشرات رئيسية في وول ستريت مستويات قياسية جديدة، مدعومة بإقبال المستثمرين على شركات الرقائق

الإلكترونية وتقنيات الحوسبة المتقدمة.

واعتبر خبراء استثمار أن موجة الذكاء الاصطناعي خففت من التأثير النفسي للحرب على الأسواق، إذ تحول اهتمام المستثمرين نحو الفرص المرتبطة بالتكنولوجيا والنمو المستقبلي. كما ساعدت التوقعات بإمكانية التوصل إلى تفاهمات سياسية أو هدنة في تهدئة حالة الذعر التي سادت بداية الصراع.

الطيران والسلع الفاخرة في دائرة الخسائر

لكن قطاعات مرتبطة بالاستهلاك والسفر تعرضت لضغوط قوية، حيث تراجعت أسهم شركات الطيران والسياحة بسبب اضطرابات الرحلات الجوية وارتفاع أسعار الوقود. كما انخفضت أسهم السلع الفاخرة مع تزايد مخاوف المستثمرين من تراجع الإنفاق الاستهلاكي نتيجة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

ويرى مراقبون أن الأسواق أصبحت أكثر حساسية تجاه أي تطورات عسكرية أو سياسية في المنطقة، إذ باتت الأسعار تتحرك بسرعة مع كل تصريح أو تحرك ميداني. ويقول محللون إن المستثمرين يراقبون بشكل خاص أي تهديد محتمل لإمدادات النفط أو الملاحة في الخليج، باعتبار ذلك العامل الأكثر تأثيرا على الاقتصاد العالمي حاليا.

الدولار يستعيد دوره كملاذ آمن

ومن بين أبرز الرابحين خلال الأزمة، جاء الدولار الأمريكي الذي عزز مكانته كملاذ آمن عالمي. فقد ارتفع أمام معظم العملات الرئيسية مدعوما بتدفقات المستثمرين الباحثين عن الأمان، إضافة إلى ارتفاع عائدات سندات الخزانة الأمريكية. ويرى خبراء أن قوة الدولار تعكس استمرار الثقة بالاقتصاد الأمريكي رغم الضغوط الجيوسياسية.

إلا أن بعض المؤسسات الاستثمارية حذرت من أن قوة الدولار قد لا تستمر طويلا إذا انتهى الصراع أو بدأت الأسواق في التركيز مجددا على التحديات الاقتصادية الأمريكية، مثل العجز المالي والسياسات النقدية. كما أشار محللون إلى أن الدولار لا يزال يواجه ضغوطا هيكلية على المدى المتوسط.

العملات الآسيوية تحت ضغط الطاقة

في المقابل، تعرضت العملات الآسيوية لخسائر كبيرة، خاصة في الدول المعتمدة بشكل كبير على واردات الطاقة القادمة عبر الخليج. وسجلت الروبية الهندية والبيزو الفلبيني والروبية الإندونيسية مستويات متدنية تاريخية أمام الدولار، ما دفع بعض الحكومات والبنوك المركزية إلى التدخل عبر رفع أسعار الفائدة أو استخدام الاحتياطيات الأجنبية للدفاع عن عملاتها.

ويرى اقتصاديون أن آسيا تواجه تحديا مزدوجا يتمثل في ارتفاع تكلفة الطاقة وضعف العملات المحلية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وزيادة الضغوط التضخمية. كما حذروا من أن استمرار الأزمة قد يدفع بعض الاقتصادات الناشئة إلى أزمات تمويل أو ارتفاع كلفة الديون.

أوروبا تواجه شبح الركود الاقتصادي

أما أوروبا، فتبدو من أكثر المناطق تأثرا بالأزمة، بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة وتباطؤ نشاطها الصناعي.

وأظهرت مؤشرات اقتصادية حديثة انكماشا ملحوظا في نشاط الأعمال داخل منطقة اليورو، فيما حذر البنك المركزي الأوروبي من أن الحرب تزيد من هشاشة الوضع المالي والاقتصادي في القارة.
وتشير تقديرات خبراء إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع بعض الاقتصادات الأوروبية إلى الركود إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة، خصوصا مع ضعف الطلب الصناعي وتراجع ثقة المستهلكين.

كما تواجه الحكومات الأوروبية ضغوطا متزايدة لزيادة الإنفاق العسكري والأمني، ما يفاقم أعباء الموازنات العامة.
الاقتصاد الأمريكي أقل تضررا لكنه ليس بمنأى
في الولايات المتحدة، تبدو التأثيرات أقل حدة نسبيا بسبب الاكتفاء الذاتي في النفط والغاز، إضافة إلى استمرار قوة قطاع التكنولوجيا. لكن المستهلك الأمريكي بدأ يشعر بضغط ارتفاع أسعار الوقود، بعدما سجل البنزين أعلى مستوياته منذ سنوات، ما أثار مخاوف من تراجع الإنفاق الاستهلاكي لاحقا.

كما تعرضت أسواق السندات العالمية لخسائر قوية، إذ دفعت توقعات التضخم وارتفاع أسعار الفائدة المستثمرين إلى بيع السندات طويلة الأجل. وارتفعت عائدات سندات الخزانة الأمريكية إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2007، فيما سجلت السندات الأوروبية قفزات مماثلة مع توقعات بمزيد من التشديد النقدي.

الأسواق تعيد تسعير المخاطر العالمية

ويقول محللون إن الأسواق تمر حاليا بمرحلة إعادة تسعير شاملة للمخاطر، تشمل أسعار الطاقة والفائدة والعملات والأسهم. كما يرون أن استمرار الحرب دون تسوية سياسية واضحة سيبقي حالة التقلب وعدم اليقين مسيطرة على الاقتصاد العالمي خلال الأشهر المقبلة.

وتباينت ردود الفعل الدولية تجاه تداعيات الأزمة، حيث دعت حكومات ومؤسسات مالية إلى احتواء التصعيد وتجنب أي خطوات قد تؤدي إلى تعطيل إضافي لإمدادات الطاقة أو اضطراب التجارة العالمية. كما حذرت مؤسسات دولية من أن استمرار الحرب قد يهدد التعافي الاقتصادي العالمي الهش.

توقعات مفتوحة على مزيد من التقلبات

ويتوقع خبراء أن تبقى أسعار النفط مرتفعة طالما استمرت التوترات في الخليج، مع احتمالات حدوث موجات صعود جديدة إذا تعرضت البنية التحتية للطاقة أو الملاحة البحرية لمزيد من الهجمات. وفي المقابل، قد تشهد الأسواق ارتياحا نسبيا إذا نجحت الجهود الدبلوماسية في فرض تهدئة أو إعادة فتح قنوات التفاوض.

ورغم اختلاف أداء القطاعات والأسواق، يتفق كثير من المحللين على أن الحرب الإيرانية أصبحت أحد أبرز العوامل المحركة للاقتصاد العالمي حاليا، إلى جانب الذكاء الاصطناعي والسياسات النقدية، وأن تأثيراتها قد تمتد لسنوات حتى بعد توقف المواجهات العسكرية.

اترك تعليقا