الجزائر والإمارات .. 5 ملفات أوصلت العلاقات بين البلدين للنفق المظلم
تمدد النفوذ الإماراتي في بلدان الساحل أبرزها
- abdelrahman
- 10 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- أخبار جريدة ارائد, الإمارات, الجزائر, دول الساحل, قطع العلاقات الدبلوماسية, ليبيا
الرائد : لم يكن قرار الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة مفاجئًا بقدر ما كان تتويجًا لمسار طويل من التوتر الصامت والتصعيد التدريجي بين البلدين.
فالقرار الذي أعلنت عنه الجزائر في 10 سبتمبر 2026، بعد تأكيدها أن جميع الوسائل الرامية إلى الحفاظ على العلاقات الثنائية قد استُنفدت، جاء بعد أشهر من المؤشرات على أن الخلاف تجاوز حدود التباين في وجهات النظر إلى أزمة سياسية وأمنية عميقة.
ورغم أن الجزائر لم تكشف رسميًا عن السبب المباشر للقطيعة، فإن مسار العلاقات خلال السنوات الماضية يسمح بفهم مجموعة من الملفات التي راكمت التوتر، وفي مقدمتها الخلاف حول الدور الإماراتي في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، والتنافس على النفوذ الإقليمي، والموقف من المغرب، إلى جانب مخاوف جزائرية مرتبطة بما تعتبره تدخلًا في شؤونها الداخلية.
الساحل وليبيا.. جوهر الخلاف
يبدو أن الملف الإقليمي يحتل موقعًا مركزيًا في الأزمة. فالجزائر تنظر إلى منطقة الساحل باعتبارها مجالًا حيويًا لأمنها القومي، بحكم حدودها الطويلة مع مالي والنيجر وليبيا، ولذلك فإن أي توسع لنفوذ قوى خارجية في هذه المنطقة يثير حساسيتها.
وخلال الفترة الأخيرة، تصاعدت الاتهامات والتقارير التي تحدثت عن خلافات جزائرية إماراتية بشأن ليبيا ومالي والسودان، مع اتهامات جزائرية للإمارات بلعب أدوار تؤثر في موازين القوى داخل هذه الدول.
وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن الجزائر ترى في التحركات الإماراتية في ليبيا والساحل تهديدًا لمصالحها ونفوذها التقليدي في جوارها الأفريقي.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ضوء التحول الذي تشهده السياسة الجزائرية تجاه الساحل. فقد أصبحت الجزائر أكثر استعدادًا للدفاع عن مصالحها الإقليمية، ووصل الأمر أخيرًا إلى إرسال دعم عسكري إلى النيجر بعد محاولة انقلاب فاشلة، في تحول لافت عن تقليد جزائري طويل اتسم بالحذر تجاه التدخل العسكري خارج الحدود
معركة النفوذ والتأثير
وبالتالي، فإن التنافس الجزائري الإماراتي لا يدور فقط حول دولة أو أزمة بعينها، وإنما حول سؤال أكبر: من يمتلك التأثير في مستقبل منطقة الساحل وشمال أفريقيا؟
هناك أيضًا البعد المغربي الذي يصعب فصله عن الخلاف الجزائري الإماراتي. فالجزائر والرباط تخوضان منذ سنوات صراعًا سياسيًا واستراتيجيًا حادًا، خصوصًا حول قضية الصحراء الغربية، وقد قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب في 2021.
وفي نظر الجزائر، فإن أي تقارب إماراتي مع المغرب أو دعم للتحركات المغربية في القضايا الإقليمية يمكن أن يُقرأ باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل موازين القوى في المغرب العربي على حسابها.
ومن هنا، فإن أبوظبي لا تتحرك بالنسبة إلى الجزائر باعتبارها دولة خليجية بعيدة جغرافيًا، وإنما باعتبارها قوة مالية وسياسية تمتلك قدرة متزايدة على الاستثمار والتأثير في أفريقيا، وهو ما يجعل تحركاتها في المغرب والساحل وليبيا ذات حساسية خاصة بالنسبة للجزائر.
هل الاستثمارات الإماراتية سبب مباشر؟
من الصعب القول إن الاستثمارات الإماراتية وحدها كانت سبب القطيعة، فلا توجد حتى الآن معلومات رسمية تؤكد ذلك. لكن الملف الاقتصادي يمكن أن يكون جزءًا من الصورة الأوسع.
فالجزائر شديدة الحساسية تجاه الاستثمارات الأجنبية عندما تتصل بقطاعات تعتبرها استراتيجية أو مرتبطة بالأمن القومي، خصوصًا في ظل مخاوفها من تحول رأس المال إلى وسيلة للتأثير السياسي. ولذلك فإن أي خلاف حول طبيعة الاستثمارات الإماراتية أو حجم نفوذ الشركات الإماراتية يمكن أن يتحول من قضية اقتصادية إلى قضية سيادية.
لكن الأرجح أن الاقتصاد ليس السبب الوحيد، وإنما جاء ضمن حزمة من الملفات السياسية والأمنية التي راكمت عدم الثقة بين الطرفين.
من الخلاف الهادئ إلى القطيعة
اللافت أن الجزائر لم تنتقل مباشرة إلى القطيعة، بل اتخذت خلال الأشهر الماضية خطوات تدريجية. ومن أبرز المؤشرات أنها بدأت في فبراير إجراءات لإنهاء اتفاق خدمات جوية مع الإمارات يعود إلى عام 2013، وهو ما اعتبر آنذاك إشارة إلى تدهور العلاقات.
كما أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون كان قد تحدث سابقًا عن علاقات بلاده الجيدة مع معظم دول الخليج، مستثنيًا دولة واحدة بصورة غير مباشرة، في إشارة فُهمت على نطاق واسع بأنها الإمارات، واتهمها بالتدخل في الشؤون الداخلية ومحاولة زعزعة الاستقرار.
وهذا يعني أن قرار القطيعة لم يكن رد فعل على حادث منفرد، بل نتيجة تراكم طويل جعل القيادة الجزائرية ترى أن استمرار العلاقات الدبلوماسية بصيغتها السابقة لم يعد يحقق مصالحها.
ماذا بعد القطيعة؟
على المستوى الإقليمي، ستؤدي الخطوة إلى زيادة الاستقطاب في شمال أفريقيا والساحل، خصوصًا أن الجزائر تسعى في الوقت نفسه إلى استعادة نفوذها في المنطقة، بينما تواصل الإمارات توسيع حضورها الاقتصادي والسياسي في أفريقيا.
لكن القطيعة لا تعني بالضرورة نهاية العلاقات إلى الأبد. فالدبلوماسية الدولية تعرف حالات كثيرة تُقطع فيها العلاقات ثم تعود عبر وساطات أو تفاهمات مرحلية. وقد تبدأ الوساطات من دول تربطها علاقات قوية بالطرفين، خصوصًا الدول الخليجية التي تحافظ الجزائر معها على علاقات جيدة، أو عبر أطراف عربية وأفريقية لديها مصلحة في منع انتقال الخلاف إلى صدام إقليمي أوسع.
غير أن عودة العلاقات ستحتاج على الأرجح إلى معالجة الملفات التي أدت إلى القطيعة، وليس مجرد إعادة فتح السفارات. فالجزائر تريد ضمانات بشأن عدم التدخل في شؤونها الداخلية، كما ستسعى إلى تفاهمات حول الملفات الإقليمية، بينما سيكون على أبوظبي تحديد حدود تحركاتها في الملفات التي تعتبرها الجزائر جزءًا من مجالها الأمني المباشر.
وبذلك يمكن القول إن القرار الجزائري يمثل نهاية مرحلة طويلة من سياسة ضبط النفس أكثر مما يمثل بداية أزمة جديدة، فالخلاف تراكم على مدى سنوات، من ليبيا والساحل إلى المغرب والاستثمارات والتدخلات السياسية. وإذا لم تنجح الوساطات المقبلة في بناء تفاهمات واضحة، فقد تتحول القطيعة من إجراء دبلوماسي كمؤقت إلى إعادة صياغة شاملة للتحالفات وموازين القوى في المغرب العربي والساحل.