الجدعان: حين ينهضُ الشعبُ من تلقاءِ نفسه في نسق راق
تامر النحّاس يكتب
- dr-naga
- 14 أغسطس، 2026
- مقالات وتحليلات
- الجدعان, الشعب المصري, تامر النحاس
كنتُ أسيرُ على طريق القاهرة–الإسكندرية، في أمانِ اللهِ وهدوئِه، إذ بسيّارةٍ أمامي، دونَ سابقِ إنذارٍ ولا سببٍ يُذكَر، تنقلبُ على ظهرِها كأنَّ الأرضَ ابتلعتْ توازنَها.
سترُ اللهِ وحدُه هو ما أتاحَ للسيّاراتِ أن تتفادى المُنقلِبة، وأن تأخذَ كلٌّ منها جانبَ الطريق، وأن تُخفِّفَ من سرعتِها في ثوانٍ معدودة. لكنَّ الأنظارَ كلّها، والقلوبَ كلّها، لم تكن إلّا على تلك المركبةِ الملقاةِ على ظهرِها. صرخَ الناس: «فيها نار! والبنزينُ ينسكبُ منها!»
كان المشهدُ جَللًا. لم تبقَ سيّارةٌ إلّا وترجَّلَ منها رجالٌ ونساءٌ يركضون نحو مركبةٍ لا يعرفون صاحبَها، ولا يربطُهم بأهلِها إلّا رابطةُ الإنسانيّة.
نزلتُ أركض، وحملتُ في يديَّ طفايتَي حريق، وذلك ما ألهمَني اللهُ إيّاه في تلك اللحظة. وبينما أنا أعدو عابرًا الطريق، خطفَ فتًى في عمرِ ابني — حرفيًّا — إحدى الطفايتين من يدي، دونَ كلمةٍ واحدة، دونَ نظرةٍ واحدة، وانطلقَ يجري نحو السيّارة.
فتحَ الناسُ الطفاياتِ ووجَّهوها إلى مواضعِ النيران، وجرَتْ أيدٍ أخرى تحاولُ إخراجَ مَن في المركبةِ المقلوبة.
رأيتُ رجلًا نصفُ جسدِه خارجٌ من الزجاج، فشدَدتُه أنا وشابٌّ كريمُ الأصل، وكنّا نصرخُ فيه: «أأنتَ وحدَك؟» فقال بصوتٍ مختنق: «لا… لا يزالُ في الداخلِ أربعة: زوجتي، وأولادي، وأمّي.» وخرجَ يصرخ: «عائلتي في الداخل! عائلتي في الداخل!»
تطلَّعنا أكثر. وفيما الفزعُ يتعاظمُ، والخوفُ من انفجارِ المركبةِ يتراجعُ أمامَ الخوفِ على مَن فيها، ظهرَ بقيّةُ العائلة، أجسادٌ متداخلةٌ لا يُدرى أهي في سقفِ السيّارةِ أم على أرضيّتها أم بينَهما.
كان إخراجُهم أشقَّ لأنَّهم كانوا في الجزءِ العميقِ من المركبة. وهنا ظهرَ رجلٌ ضخمٌ كأنَّه هرقلُ أو فنديمُ عصرٍ جديد، حطَّمَ الزجاج، وآخرُ فتحَ شَرْعًا، وفجأةً رأيتُ البابَ ينفتحُ أو يكاد، ورأيتُ رجالًا — أو هكذا بدَوا لي في تلك اللحظة — عمالقةً يحملون المركبةَ على أكتافِهم كأنَّهم رافعاتٌ صغيرة، يُبعِدون بها المصابين عن مَوضعِ الخطر.
في تلك الأثناء، كان كلُّ مصدرٍ للنيران قد انطفأ على أيدي أناسٍ كثيرين، أظنُّ أنَّ أكثرَهم لم يستخدمْ طفايةَ حريقٍ في حياتِه من قبل.
ثمّ صاحَ رجلٌ آخر: «نُعيدُ المركبةَ على وجهِها! نُحرِّكُها إلى جانبِ الطريق بعيدًا عن مسارِ السيّارات!» وظهرَ ناسٌ كثيرون، وقلبوا المركبةَ — حرفيًّا — على وجهِها، ثمّ دفعوها إلى حافّةِ الطريق.
في الوقتِ ذاتِه، كان قومٌ يُعايِنون المصابين، ومنهم مَن أعلنَ أنَّه طبيب، كما فعلتُ أنا، وكما فعلتْ تلك السيّدةُ التي نزلتْ لتطمئنَّ على إخوتِها في الإنسانيّة. وبفضلِ الله لم تكنِ الإصاباتُ عميقة، وكان النصحُ بالهدوء، والتأكّدِ من سلامةِ مسالكِ التنفّس، والتحقّقِ من عدمِ وجودِ كسور، وطريقةٍ منضبطةٍ لنقلِهم إلى المستشفى.
ثمَّ هتفَ شابٌّ كريم: «سيّارتي أخليتُها لكم، سأُقلُّهم إلى أقربِ نقطةِ إسعاف!»
لا أدري كم من الوقتِ مرّ. لكنَّ الذي رأيتُه هو أناسٌ يتصافحون، ويحمَدون الله، وقد تحرَّكتِ السيّارةُ بالمصابين. وبدا لي أنَّ الناسَ كانوا يُوَدِّعون رفاقًا لم يعرفوهم إلّا لدقائقَ معدودة، عملوا معهم في خندقٍ واحد: هؤلاء كانوا مطافئ، وهؤلاء كانوا رافعات، وذاك كان هرقل، وهؤلاء جميعًا كانوا **الجدعان**.
مضيتُ بعدَ الوداعِ نحو سيّارتي، أحملُ طفايةَ حريقٍ في يميني، وأُعدِّلُ نظّارتي التي بدَتْ وكأنَّها استقرَّتْ على فمي. وكِدتُ أتحركُ لولا صوتٌ صغيرٌ يهتف: «يا عمّو! يا عمّو!» التفتُّ فإذا فتًى يركضُ نحوي حاملًا طفايتي القديمة. كان صديقي الصغيرَ الذي لم أرَ ملامحَه، ولم أسمعْ صوتَه إلّا في تلك اللحظة.
توكّلتُ على اللهِ لأستكملَ طريقي، وعقلي لا يزالُ معلَّقًا بالجدعان.
—
كيفَ يُقنِعُني أحدٌ أنَّ هذا الشعبَ سيّئ؟ أنَّه متواكلٌ، أو جاهلٌ، أو فوضويٌّ، أو عاجز، وأنَّه لا يستقيمُ إلّا بيدٍ تقمعُه؟
كيفَ لهؤلاءِ الناسِ الطيّبين ألّا يبنوا وطنًا ناجحًا، متقدّمًا، جميلًا؟
كيفَ يُقنعُني أحدٌ أنَّ هؤلاءِ لا يُغيِّرون وجهَ الدنيا، لو وُجِدَ لهم المناخُ الذي يُطلِقُ إبداعَهم، ويَدَعُهم يُديرون شؤونَهم بأنفسِهم، من غيرِ أكاديميّاتٍ جوفاء، ولا «مستقبلِ بطّيخ»، ولا مَن يزرعُ الغِلَّ في صدورِهم؟
هؤلاءِ الناسُ أداروا أزمةً بحرفيّةٍ لا يُجيدُها دولابُ الدولة، الذي أقصى ما يُحسنُه هو أن يبتكرَ سُبُلًا لاستنزافِ حاضرِنا ومستقبلِنا.
إنَّ إدارةَ هذا الجمالِ وتطويرَه هو دورُ الحكومات. هذا ما يُسمَّى **السياساتِ العامّة**. دورُ الحكومةِ أن تُطوِّرَ تفضيلاتِ الناسِ وتُنمِّيَ قدراتِهم، لا أن تصيحَ فيهم وتُطيلَ أمدَ بقائِها على كراسيِّها. إمّا أن تُزهِرَ بالناس، وإمّا أن تُخمِدَهم فتُخرِجَ أسوأَ ما فيهم.
مضيتُ… وأنا موقنٌ أنَّها ليستْ أزمةَ شعب. يقينًا، هي أزمةُ إدارةٍ لم تحترمْنَا يومًا، ولم تُفكِّرْ إلّا في السيطرة.
ومع ذلك، وجدتُني أشتاقُ إلى أصدقائي… أشتاقُ إلى *الجدعان*.