الجبل الأسود يقود قاطرة البلقان نحو الاتحاد الأوروبي

العضو الـ 28 المرتقب في الاتحاد الأوروبي

الرائد: في قمة استثنائية استضافتها مدينة تيفات الساحلية في الجبل الأسود، نجحت منطقة غرب البلقان في فرض ملفها الجيوسياسي مجدداً على طاولة الأولويات القصوى للاتحاد الأوروبي. القمة التي جمعت أكثر من 30 زعيماً وقائداً أوروبياً، تصدرهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل تحولت إلى منصة لإرسال رسائل حاسمة تعيد صياغة خريطة التوسع الأوروبي. ومع تسارع وتيرة الإصلاحات، باتت الآمال معقودة على الجبل الأسود ليقود قاطرة المنطقة كمرشح أول ليكون العضو الثامن والعشرين في الاتحاد بحلول عام 2028، في خطوة يراها قادة بروكسل استثماراً استراتيجياً لا غنى عنه لكبح النفوذ الروسي والصيني المتصاعد وتأمين الجناح الجنوبي الشرقي للقارة العجوز.

تحمل القمة أهمية خاصة للمجتمعات المسلمة في البوسنة وكوسوفو وألبانيا والجبل الأسود، لأن مسار الانضمام الأوروبي يرتبط مباشرة بفرص الاستثمار والتنمية والتنقل والعمل.

وقال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إن «البلقان الغربية جزء لا يتجزأ من مستقبل الاتحاد الأوروبي». كما أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس ضرورة إطلاق خطوات عملية نحو الاندماج.

تحول الجبل الأسود إلى “المرشح الأقرب” والأوفر حظاً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بعد خطوة تاريخية تمثلت في موافقة سفراء الاتحاد الأوروبي على تشكيل مجموعة عمل مخصصة لصياغة مسودة معاهدة الانضمام الرسمية. هذا التطور وضع الدولة الصغيرة (630 ألف نسمة) في طليعة قطار التوسعة الأوروبية، متفوقة على جاراتها في البلقان وعلى مرشحين بارزين مثل أوكرانيا.  
التحول الجيوسياسي البارز والعوامل التي جعلت من الجبل الأسود “النموذج المثالي” لبروكسل:
1. الخطوة القانونية الحاسمة: صياغة معاهدة الانضمام
  • الضوء الأخضر من بروكسل: وافق سفراء الاتحاد الأوروبي على إنشاء “مجموعة العمل المخصصة” (Ad Hoc Working Party) للبدء الفعلي في كتابة الصيغة القانونية لمعاهدة انضمام الجبل الأسود. 
  • هيكل المعاهدة: تفيد المصادر الدبلوماسية بأن معاهدة الجبل الأسود ستكون متطابقة بنسبة تتراوح بين 80% إلى 85% مع معاهدة انضمام كرواتيا (آخر دولة انضمت للتكتل عام 2013). 
  • آلية الحماية الجديدة: ستتضمن المعاهدة لأول مرة “بند حماية” (Safeguard clause) مبتكراً، يربط التقدم بمراجعات ما قبل التوسعة لضمان مرونة وملاءمة الاتحاد مالياً وسياسياً قبل الدمج الكامل. 
2. العوامل التشريعية والفنية (إغلاق الفصول)
  • تجاوز “عقدة” بنود الأساسيات: حصلت بودغوريتسا على تقييم إيجابي حاسم (تقرير IBAR) في مجالات القضاء والحقوق الأساسية والأمن (الفصلين 23 و24)، وهو الشرط المسبق الذي كان يمنع إغلاق بقية الملفات. 
  • الوتيرة المتسارعة: نجحت الدولة في فتح جميع فصول التفاوض الـ 33، وبدأت بالفعل في الإغلاق المؤقت لعدة فصول متتالية (مثل الرقابة المالية والشبكات عبر أوروبا)، وسط خطة طموحة لإكمال المفاوضات الفنية بالكامل. 
3. الميزة الديموغرافية والجيوسياسية (حجم الدولة)
  • سهولة الاستيعاب: يرى الاتحاد الأوروبي أن دمج دولة صغيرة يبلغ تعداد سكانها 630 ألف نسمة فقط لن يشكل أي عبء مالي أو ديموغرافي على كاهل التكتل (الذي يضم 450 مليون نسمة)، على عكس التحديات الهائلة التي يفرضها مرشحون كبار مثل أوكرانيا. 
  • العملة الجاهزة: يتبنى الجبل الأسود اليورو كعملة رسمية منذ عام 2002 (من جانب واحد)، مما يختصر شوطاً طويلاً من الاندماج النقدي والاقتصادي. 
4. الإرادة السياسية “28 بحلول 2028”
  • شعار الطائرات الرسمي: أطلقت الخطوط الجوية الرسمية للبلاد شعاراً وطنياً واضحاً “28 بحلول 28”، في إشارة إلى رغبتهم في أن يصبحوا العضو رقم 28 في الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2028. 
  • الدعم الأوروبي الصريح: أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، علانية أن عضوية الجبل الأسود بحلول عام 2028 أصبحت “في متناول اليد”، معتبرة نجاح الجبل الأسود بمثابة محرك ومحفز لبقية دول البلقان.  
 عقبات متبقية تحت المجهر الأوروبي
رغم تقدم الصياغة القانونية، يشدد الاتحاد الأوروبي على أن الانضمام لن يُمنح كـ “شيك على بياض”، إذ يظل الجبل الأسود مطالباً بـ:
  1. استدامة استقلال القضاء ومكافحة الجريمة المنظمة.
  2. تعزيز حريات الصحافة والإعلام.
  3. الحصانة ضد التدخلات الخارجية وصيانة جبهته الداخلية من الاستقطابات الإقليمية. 

ويتوقع مراقبون أن تشهد السنوات المقبلة تسارعاً في مشاريع البنية التحتية والطاقة الممولة أوروبياً إذا استمرت وتيرة التقارب الحالية.

المصادر: المجلس الأوروبي، الجزيرة، تقارير القمة الأوروبية.

اترك تعليقا