الجارديان البريطانية: أزمة السكن أصبحت عالمية

ليلا فرحة

لم تعد أزمة السكن مشكلة تخص مدينة بعينها أو فئة محدودة من ذوي الدخل المنخفض. فقد أصبحت ظاهرة عالمية تتسع مع ارتفاع تكاليف الإيجار والشراء، وتزايد الضغوط على الأسر التي تنفق جزءًا متناميًا من دخلها للحصول على مسكن مناسب.

وتكمن المشكلة في أن السكن، رغم كونه حاجة إنسانية أساسية، أصبح في كثير من الأسواق أصلًا استثماريًا يُقاس نجاحه بقدرته على تحقيق الأرباح وزيادة القيمة، لا بقدرته على توفير الاستقرار للناس. وعندما تتقدم المصالح الاستثمارية على الحاجة الاجتماعية، يجد المستأجرون والشباب والأسر محدودة الدخل أنفسهم في منافسة غير متكافئة مع المستثمرين القادرين على شراء العقارات والاحتفاظ بها.

ولا يقتصر أثر الأزمة على صعوبة العثور على منزل؛ فارتفاع الإيجارات يقلل ما يتبقى للأسر للإنفاق على الغذاء والتعليم والصحة، ويحد من قدرة الشباب على الاستقلال وتكوين أسر. كما أن اضطرار العاملين إلى السكن بعيدًا عن أماكن العمل يزيد تكاليف النقل ويستهلك الوقت، ويؤثر في الإنتاجية والحياة الاجتماعية.

وتطرح الأزمة سؤالًا سياسيًا يتعلق بمن يملك التأثير الأكبر في القرارات العامة: السكان الذين يحتاجون إلى مساكن مستقرة، أم المصالح المالية التي تستفيد من استمرار ارتفاع أسعار الأصول العقارية؟ فعندما تصبح السياسات السكنية شديدة التأثر بمصالح الملاك والمستثمرين، قد تتراجع قدرة المواطنين على التأثير في القرارات التي تحدد شروط حياتهم اليومية.

ولا يعني ذلك أن الاستثمار العقاري غير ضروري؛ فالمجتمعات تحتاج إلى بناء مساكن جديدة، وإلى شركات تمول عمليات الإنشاء والتطوير. لكن المشكلة تظهر عندما يصبح الاستثمار منفصلًا عن الحاجة الفعلية للسكن، أو عندما تؤدي السياسات إلى تشجيع المضاربة من دون ضمان توفير وحدات بأسعار يستطيع السكان تحملها.

ويقتضي التعامل مع الأزمة النظر إلى السكن باعتباره جزءًا من البنية الاجتماعية والاقتصادية، لا مجرد سلعة. ويشمل ذلك زيادة المعروض من المساكن المناسبة، وتطوير الإسكان الاجتماعي، وتحسين حماية المستأجرين، ومراجعة السياسات التي تدفع أسعار العقارات بعيدًا عن مستويات دخول الأسر.

إن أزمة السكن تكشف خللًا أعمق من ارتفاع الأسعار: فهي تثير مسألة توزيع الموارد والقدرة على المشاركة في صنع القرار. ولا يمكن اعتبار الاقتصاد ناجحًا إذا ارتفعت قيمة العقارات بينما أصبحت قطاعات واسعة من السكان عاجزة عن تحمل تكلفة المسكن الذي تحتاج إليه.

اترك تعليقا