التوتر يعود للواجهة بين كابول وإسلام آباد

بعد فشل المحادثات

لم يكن مساء الجمعة عادياً في المناطق الحدودية بين باكستان وأفغانستان. أصوات الرصاص ارتفعت فجأة فوق سماء شامان وسبين بولداك، لتعلن جولة جديدة من التوتر بين الجارتين.

ورغم غياب أي تقارير فورية عن إصابات، فإن ما جرى أعاد مباشرةً ذكريات الاشتباكات الدامية في أكتوبر الماضي، حين فقد العشرات حياتهم على الحدود الأكثر سخونة في جنوب آسيا.

الحدود التي تمتد عبر جبال وهضاب وقرى مترابطة، تحولت خلال دقائق من حالة هدوء حذر إلى مواجهة مسلحة تحمل رسائل سياسية قبل أن تكون حادثاً ميدانياً.

روايتان متعارضتان… وحقيقة ضائعة

في كابول، سارع المتحدث باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد، إلى تحميل الجانب الباكستاني مسؤولية ما جرى. قال بوضوح:“القوات الباكستانية شنت هجمات غير مبررة على سبين بولداك.”

أما في إسلام آباد، فكان الرد جاهزاً. المتحدث باسم رئيس الوزراء، مشرف زيدي، أعلن:“ما حدث هو إطلاق نار غير مبرر من الجانب الأفغاني. قواتنا في حالة تأهب لحماية أراضينا ومواطنينا.”

وبين التصريحين، تمتد مساحة واسعة من الشكوك والمخاوف وسوء الفهم، ما يجعل من كل حادثة حدودية شرارة قابلة للامتداد.

مفاوضات بلا نتيجة

الاشتباك لم يأتِ من فراغ. قبل يومين فقط، اجتمع وفدان من البلدين في جدة في إطار وساطة سعودية، مدعومة بتحركات من قطر وتركيا. ورغم الأجواء الدبلوماسية، خرجت المحادثات دون تقدم ملموس.

يقول دبلوماسي سعودي شارك في التحضيرات:“التقارب ليس مستحيلاً، لكن الفجوة في الثقة أكبر من قدرة أي لقاء على ردمها خلال جلسة أو جلستين.”

الاتفاق الوحيد الذي خرجت به الاجتماعات كان استمرار “التهدئة”، لكنها تهدئة هشة سقطت سريعاً أمام أول اختبار.

اتهامات متبادلة بلا نهاية

إسلام آباد تصرّ على أن جماعات مسلحة متمركزة داخل الأراضي الأفغانية، وخاصة “تحريك طالبان باكستان”، تقف وراء هجمات دامية تعرضت لها مدن ومناطق باكستانية خلال الأشهر الأخيرة.

الخبير الأمني الباكستاني، اللواء المتقاعد عارف محمود، يوضح:“لدينا دلائل قوية على تحركات لجماعات متطرفة تنطلق من الداخل الأفغاني. هذا ما يجعل الحدود خطراً مستمراً.”

في المقابل، يرفض مسؤول في وزارة الدفاع الأفغانية هذه الرواية قائلاً:“طالبان لا تدعم أي هجمات داخل باكستان. عليهم معالجة مشاكلهم الأمنية بدلاً من اتهام أفغانستان.”

وبين هذه الاتهامات، تبقى الحقيقة ضائعة، بينما يتفاقم الاحتقان.

أصوات السكان: الخوف هو العنوان

في مدينة شامان الباكستانية، كان محمد طاهر، سائق شاحنة نقل، يحاول فهم ما يحدث بينما يراقب الدخان يتصاعد من بعيد:“نحن نعيش بين نارين: نار التجارة المتوقفة ونار الرصاص. حياتنا معلقة.”

أما في سبين بولداك، تقول ليلى أحمدي، صاحبة متجر صغير: “كل مرة نسمع إطلاق نار نغلق المحل ونركض إلى البيوت. لا أحد يعرف متى تنتهي هذه الحلقة.”

الحدود بالنسبة لهؤلاء ليست مجرد خط رسمي بل شريان حياة، وكل اضطراب يصيبها يهز حياتهم مباشرة.

الوساطات الإقليمية… جهود كبيرة ونتائج ضعيفة

لعبت عدة دول أدواراً رئيسية في محاولة تهدئة الخلافات بين البلدين. قطر تمتلك خبرة طويلة في التواصل مع طالبان، وتركيا تشق طريقها في الوساطات الإقليمية، بينما دخلت السعودية بثقلها السياسي لأجل دفع الطرفين نحو تسوية.

يقول الباحث القطري الدكتور كمال الدين شريف:“إصلاح العلاقة بين البلدين يحتاج إلى ما هو أبعد من الوساطة التقليدية. إنه صراع تراكمي يتجاوز عقدين من سوء الفهم.”

ورغم تعدد الجهود، فإن كل الوساطات تصطدم بعائق واحد: غياب الثقة.

أحداث أكتوبر… جرح لم يلتئم بعد

اشتباكات أكتوبر ٢٠٢٥، التي أسفرت عن مقتل العشرات، لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على المشهد الحالي. كانت تلك المواجهات الأسوأ منذ أن تولّت طالبان السلطة عام ٢٠٢١، وخلّفت شعوراً بأن الحدود يمكن أن تنفجر في أي لحظة.

المحلل الأمني الباكستاني سلمان خان يصف تلك الأحداث بأنها:

“لحظة فارقة كشفت هشاشة الوضع. ومن يومها والمنطقة تمشي على خيط رفيع.”

غياب قنوات اتصال عسكرية فعالة يسهم في جعل كل احتكاك قابلاً للتوسع.

تحليلات عن مستقبل الأزمة

داخل باكستان، ينقسم صناع القرار بين دعاة التشدد وبين من يفضّلون إعطاء الفرصة للدبلوماسية.

السناتور الباكستاني عاصم جيلاني يحذر قائلاً:

“لا بد من حماية حدودنا، لكن الذهاب إلى مواجهة مفتوحة سيضر بالجميع.”

وفي الجانب الأفغاني، يرى الباحث السياسي عبدالله نوري أن ما يجري هو نتيجة منطقية لفشل المحادثات المتكررة:

“ما لم يتم معالجة الملفات الأمنية مباشرة، سيبقى الرصاص بديلاً للحوار.”

هدنة هشة وحدود قلقة

التوتر الحالي ليس سوى امتداد لمعادلة معقّدة تجمع تاريخاً طويلاً من عدم الثقة، واتهامات أمنية متبادلة، ومصالح متشابكة، وحدود محفوفة بالمخاطر. ومع كل فشل في التفاوض، تتقدم البنادق لتملأ الفراغ.

ويبقى السؤال: هل يسير البلدان نحو تهدئة حقيقية أم نحو أزمة أعمق؟

حتى اللحظة، لا يبدو الجواب قريباً، بينما تظل الحدود بين باكستان وأفغانستان واحدة من أكثر خطوط التماس حساسية في المنطقة.