السويد تخلع حيادها وتستعد

بقلم: السيد التيجاني

على مدار قرابة مئتي عام، شكّلت السويد نموذجاً فريداً في السياسة الأوروبية: دولة محايدة، مبتعدة عن أحلاف القوى العظمى، مكتفية بجيش دفاعي متوسط الحجم، ومكرّسة طاقاتها لبناء مجتمع رفاه، ودعم الدبلوماسية الدولية، والترويج لفكرة أن القوة الناعمة يمكن أن تكون بديلاً عن الصدامات العسكرية.

لكن هذا النموذج، الذي بدأ في القرن التاسع عشر، تلقّى ضربات متلاحقة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، قبل أن ينهار فجأة أمام زلزال الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.

وهكذا، انتقلت السويد من الحياد التقليدي إلى الاستعداد الاستراتيجي، ومن الاعتماد على النفس إلى الانضمام للناتو، ومن سياسة “عدم الانحياز” إلى اصطفاف كامل مع الغرب في مواجهة روسيا.

فما الذي جعل دولة آمنت بأن الحياد هو ضمانة الأمن تتحوّل بهذه السرعة؟ وما الذي يجعل السويد اليوم في موقع يبدو، من وجهة نظر موسكو، وكأنه تهديد جديد في بحر البلطيق؟

من الحياد… إلى الهوية الوطنية

عندما تبنّت السويد سياسة الحياد مطلع القرن التاسع عشر، كانت تنظر حولها إلى أوروبا التي تمزقها الحروب النابليونية.

بدا الحياد آنذاك وكأنه طوق نجاة، ومع الوقت أصبح جزءاً من الشخصية السياسية السويدية. وخلال الحربين العالميتين، حافظت على حيادها رغم الضغوط، بل واستغلته لتفادي الدمار الذي لحق بجاراتها.

ثم جاءت الحرب الباردة، لتتحول السويد إلى “محايد نشط”؛ فهي ليست عضواً في الناتو، لكنها أيضاً ليست صديقة للاتحاد السوفييتي. كانت تبني أسلحتها المتقدمة، وتراقب البلطيق بقلق،

لكنها تحافظ في العلن على خطاب متوازن. هذا النموذج منح السويد مرونة دبلوماسية، وسمح لها بلعب أدوار الوساطة الدولية، ودفع اقتصادها إلى الازدهار دون تكاليف عسكرية ضخمة.

ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، بدا وكأن الحياد أكّد نجاحه. أوروبا أصبحت أكثر هدوءاً، والتهديدات العسكرية المباشرة تلاشت، فبدأت السويد تخفض ميزانية الدفاع وتغلق قواعدها. كثير من السويديين اعتقدوا أن زمن الجيوش الكبيرة ولّى إلى الأبد.

لكن السنوات التالية ستثبت العكس.

عودة روسيا… وعودة القلق السويدي

عام 2008، حين اندلعت الحرب الروسية الجورجية، صدرت أول إشارة حقيقية بأن موسكو تعود إلى سياسة جيوسياسية تقوم على القوة. لم تمرّ سنوات كثيرة حتى جاء العام 2014، لتضم روسيا شبه جزيرة القرم وتدخل شرق أوكرانيا. هنا بدأت الصدمة الأولى.

في تلك الفترة، كانت السويد تشهد ظواهر مقلقة:

طلعات جوية روسية اقتربت من أجوائها إلى مسافات خطيرة

تقارير عن غواصات مجهولة في مياهها الإقليمية

تعزيز روسي مستمر للقوات في منطقة كالينينغراد

تصاعد التوتر في بحر البلطيق بشكل يبدو أنه عودة للحرب الباردة

هذه التطورات أيقظت مخاوف قديمة. فبحر البلطيق ليس مجرد مسطح مائي بالنسبة للسويد، بل هو عمقها الاستراتيجي.

أما جزيرة غوتلاند، التي تقع في قلبه، فهي موقع بالغ الحساسية. السيطرة عليها تعني التحكم في الحركة العسكرية في المنطقة. لذلك بدأت ستوكهولم تعيد التفكير في فكرة الحياد التي كانت تعتبرها بديهية.

ومع ذلك، لم يكن المجتمع السويدي مستعداً بعد للتخلي عن مبدأ تبنّته الأجيال المتعاقبة. كان هناك شعور بأن السويد قادرة على إدارة التوازن بين روسيا والغرب كما فعلت طوال القرن الماضي.

إلى أن جاء عام 2022.

الغزو الروسي لأوكرانيا: اللحظة التي غيّرت السويد إلى الأبد

في صباح الرابع والعشرين من فبراير 2022، عندما بدأت الدبابات الروسية بالتقدم داخل الأراضي الأوكرانية، تلقّت السويد واحدة من أكبر الصدمات الأمنية في تاريخها الحديث. فجأة اختفى الشعور بالأمان الذي رافق السويديين لعقود. أصبح السؤال الأكثر تداولاً في السويد: هل نحن الجاهزون التاليون؟

كانت الرسائل التي تلقاها المجتمع السويدي واضحة:

الحدود في أوروبا يمكن أن تُغيّر بالقوة

الدول الصغيرة والمتوسطة ليست بمنأى عن الخطر

روسيا مستعدة للعمل العسكري خارج حدودها التقليدية

الاعتماد على الذات فقط لم يعد كافياً

في غضون أسابيع قليلة، انقلب الرأي العام رأساً على عقب. ارتفعت نسبة مؤيدي الانضمام للناتو بشكل صادم، بينما انخفض التأييد للحياد إلى أدنى مستوى تاريخي. حتى الأحزاب اليسارية، التي كانت ترى في الحياد حجر أساس في السياسة السويدية، بدأت تغير موقفها بفعل الضغوط الشعبية.

وكانت النتيجة: تقديم طلب عضوية الناتو مع فنلندا.

2024: نهاية الحياد… وبداية الاستعداد

في عام 2024، أصبحت السويد رسمياً عضواً في حلف شمال الأطلسي. بهذا القرار، طويت صفحة عمرها قرنان. لكن الانضمام للناتو لم يكن مجرد خطوة سياسية، بل تحوّل جذري في رؤية السويد لذاتها ودورها.

اليوم، تتجه السويد إلى:

بناء واحد من أقوى الجيوش في شمال أوروبا

تعزيز وجودها العسكري في جزيرة غوتلاند

التعاون الكامل مع القوات الأمريكية والبريطانية

زيادة الإنفاق الدفاعي ليصل إلى مستويات غير مسبوقة

لعب دور قيادي في أمن بحر البلطيق

هذا التحول الكبير يجعل السويد الآن في موقع مختلف كلياً عن الماضي. فهي لم تعد تقول “لسنا جزءاً من الصراع”، بل تقول صراحة: “نحن جزء من الردع الجماعي ضد أي تهديد”.

من الحياد إلى الاستعداد: ماذا يعني ذلك؟

بالنسبة للسويد، هذا التحول لم يكن خياراً سياسياً سهلاً، بل نتيجة إحساس عميق بأن العالم الذي سمح لها بالحياد انتهى. فالتحديات الأمنية الجديدة، وعودة الصراع الجيوسياسي، والجوار الروسي القلق، كل ذلك جعل السويد تشعر بأن وقت الحياد قد مضى.

أما بالنسبة لروسيا، فإن انضمام السويد إلى الناتو يُضاف إلى سلسلة من التحولات التي تراها موسكو تهديداً مباشراً لها، وخاصة في منطقة البلطيق التي أصبحت الآن شبه مطوّقة بدول أطلسية..

عصر جديد لسويد جديدة

لم تعد السويد دولة الحياد التقليدي، بل أصبحت دولة تستعد لسيناريوهات كانت تعتبرها يوماً مستبعدة. وأصبح السؤال اليوم ليس “لماذا تخلّت السويد عن الحياد؟”، بل “كيف ستوظف هذا التحول لضمان أمنها لعقود قادمة؟”.

من المؤكد أن السويد دخلت مرحلة جديدة من تاريخها—مرحلة تبدأ من الاستعداد، لا من الحياد.