التضخم الأميركي يشتعل.. والفيدرالي أمام اختبار مُعقد
ارتفاع الأسعار إلى أعلى مستوياتها يعيد شبح التشديد النقدي ورفع الفائدة إلى الواجهة
- معاذ الجمال
- 11 يونيو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير
- آخر اخبار الحرب الايرانية, أسعار الفائدة الأمريكية, الأوضاع الاقتصادية, الأوضاع الجيوسياسية, الاحتياطي الفيدرالي, الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي, التضخم, جيروم باول
مع كل اضطراب في الأوضاع الجيوسياسية، ومع كل ارتفاع جديد في “أسعار الوقود”، تتسع دائرة القلق داخل أكبر اقتصاد في العالم، فبيانات التضخم الأميركية لشهر مايو جاءت لتدق أجراس الإنذار وتنذر بالخطر مجدداً، بعدما سجلت الأسعار أعلى وتيرة ارتفاع لها منذ “ثلاث سنوات”، في تطور يضع “مجلس الاحتياطي الفيدرالي” أمام معادلة غاية في الصعوبة والتعقيد بين كبح التضخم والحفاظ على زخم النمو الاقتصادي، بينما تواجه إدارة الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” تحديات اقتصادية وسياسية متزايدة مع اقتراب انتخابات “التجديد النصفي”.
أسعار تتسارع..
أظهرت بيانات “وزارة العمل الأميركية” ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) بنسبة 4.2% على أساس سنوي خلال مايو، مقابل 2.3% في نفس الشهر من العام الماضي، وعلى أساس شهري ارتفعت الأسعار بنسبة 0.5%، متوافقة مع توقعات الأسواق، أما “التضخم الأساسي” الذي يستثني “أسعار الغذاء و”الطاقة الأكثر” تقلباً، فقد ارتفع إلى 2.9% على أساس سنوي، بينما سجل زيادة شهرية بلغت 0.2% مقارنة مع 0.4% في الشهر الماضي، في إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية داخل الاقتصاد الأميركي وعدم انحصارها في “قطاع الطاقة” فقط.
صدمة الوقود..
جاءت القفزة الأخيرة في التضخم مدفوعة بصورة رئيسية بارتفاع “أسعار الوقود” عقب إغلاق إيران لـ”مضيق هرمز”، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة النفط العالمية، والذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط في العالم، وارتفع متوسط سعر “البنزين” في الولايات المتحدة من نحو 4.04 دولار للغالون في منتصف أبريل، إلى 4.49 دولار خلال مايو، قبل أن يتراجع لاحقاً إلى 4.16 دولار.
لكن تأثير الصدمة النفطية امتد إلى قطاعات أخرى، إذ رفعت شركات النقل والشحن الكبرى رسوماً إضافية على الوقود، ما أدى إلى زيادة تكاليف الخدمات اللوجستية ونقل البضائع، ويحذر اقتصاديون من أن استمرار ارتفاع تكاليف النقل قد ينعكس بصورة أكبر على أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية خلال الأشهر المقبلة، ما قد يرسخ الضغوط التضخمية لفترة أطول من المتوقع.
الفيدرالي يراجع حساباته..
أعاد الارتفاع الأخير في التضخم رسم توقعات السياسة النقدية الأميركية، فبعدما كانت الأسواق تراهن مطلع العام الجاري على خفض أسعار الفائدة مرتين، بدأت التقديرات تتجه نحو سيناريو أكثر تشدداً قد يتضمن رفعاً جديداً للفائدة إذا استمرت الضغوط التضخمية، وأوضح الرئيس التنفيذي لشركة “EL7 Consulting” “وليد الحلو” في مقابلة مع “العربية Business”.. إن قراءة التضخم الأخيرة جاءت متوافقة إلى حد كبير مع توقعات الأسواق، لكنها تؤكد استمرار الضغوط السعرية داخل الاقتصاد الأميركي.
وأضاف أن المستثمرين لم يكتفون بتسعير سيناريو تثبيت الفائدة فقط، بل باتوا يأخذون في الاعتبار احتمالات رفعها مجدداً إذا واصلت البيانات الاقتصادية الإشارة إلى بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة، وأشار إلى أن مؤشر “السوبر كور”، الذي يستثني الغذاء والطاقة والسكن، والذي يركز بشكل أساسي على “قطاع الخدمات” مثل (الرعاية الطبية، الترفيه، النقل، والتعليم)، تجاوز أيضاً مستوى الـ 3%، وهو من المؤشرات التي تحظى باهتمام خاص لدى “الاحتياطي الفيدرالي”، ما يعزز احتمالات استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول.
اقتصاد قوي وضغوط متزايدة..
في المقابل، لا يزال الاقتصاد الأميركي يُظهر قدراً كبيراً من الصلابة، إذ كشفت بيانات سوق العمل عن استمرار نمو التوظيف خلال مايو، بالتزامن مع تسجيل الاقتصاد معدلات نمو إيجابية، وهو ما يقلل الحاجة الملحة إلى خفض أسعار الفائدة لدعم النشاط الاقتصادي، كما دفعت “بيانات التوظيف القوية” عوائد “سندات الخزانة الأميركية” إلى الارتفاع، في إشارة إلى توقع المستثمرين استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة.
ويواجه رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد “كيفن وارش” اختباراً صعباً في بداية ولايته، بعدما كان من أبرز الداعمين لخفض الفائدة قبل توليه المنصب خلفاً لـ”جيروم باول”، وبينما تواصل إدارة “ترامب” التقليل من الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي، فإن عودة التضخم إلى الارتفاع تمنح صناع السياسة النقدية أسباباً إضافية للحذر، وتبقي الباب مفتوحاً أمام قرارات أكثر صرامة خلال الأشهر المقبلة.
حسابات من منظور سياسي..
زاد ارتفاع التضخم من الضغوط السياسية على الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، إلا أنه قلّل من أهمية المخاوف المرتبطة بارتفاع الأسعار، معتبراً أن الضغوط التضخمية الحالية مؤقتة ومرتبطة بالحرب مع “إيران” وإغلاق “مضيق هرمز”، وأكد أن “أسعار النفط” ستتراجع بقوة فور انتهاء الأزمة، مشيراً إلى أنه وافق على ترتيبات خاصة لضمان مرور بعض شحنات النفط بهدف الحد من تأثير الأزمة على الأسواق الأميركية.
وفي الوقت الذي يراهن فيه “البيت الأبيض” على انحسار الضغوط السعرية مستقبلاً، يزداد قلق الجمهوريين من انعكاسات ارتفاع تكاليف المعيشة على “انتخابات التجديد النصفي” في نوفمبر، خصوصاً مع استمرار تعثر الجهود الرامية لإعادة فتح “مضيق هرمز” وتنامي التحذيرات من موجة جديدة في أسعار الطاقة قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي خلال الفترة القادمة.