لماذا عجز الذكاء الاصطناعي عن إزاحة العنصر البشري كما توقع العالم

رغم مليارات الاستثمارات والوعود بثورة وظيفية كبرى

شهدت السنوات الأخيرة سباقاً محموماً نحو “الذكاء الاصطناعي”، مدفوعاً بتوقعات تحدثت عن ثورة غير مسبوقة ستعيد تشكيل “الاقتصاد العالمي”، وتستبدل ملايين الوظائف البشرية، لكن مع اتساع دائرة استخدام هذه التكنولوجيا، بدأت الوقائع تكشف صورة أكثر تعقيداً، إذ لم تتحقق حتى الآن موجة الإحلال الوظيفي التي حذّر منها كبار قادة القطاع، بينما تتزايد التساؤلات حول قدرة شركات الذكاء الاصطناعي على تحويل استثماراتها الضخمة إلى مكاسب اقتصادية حقيقية ومستدامة.

الوظائف تصمد أمام التوقعات..

كشفت دراسة لشركة “أنثروبيك”، المطورة لروبوت الدردشة “كلود”، أن تأثير “الذكاء الاصطناعي” على سوق العمل لا يزال محدوداً مقارنة بالتوقعات السابقة، رغم تحذيرات مؤسسها “داريو أمودي” من احتمال اختفاء نسبة كبيرة من الوظائف المبتدئة خلال سنوات قليلة، وأظهرت الدراسة أن معدلات البطالة بين الفئات الأكثر عرضة لأتمتة أعمالها لم تشهد ارتفاعاً ملحوظاً منذ “أواخر عام 2022″، كما أن استخدام “الذكاء الاصطناعي” في إنجاز المهام ما يزال أقل كثيراً من قدراته النظرية.

ويتفق هذا التقييم مع تصريحات الرئيس التنفيذي لـ”OpenAI” (سام ألتمان)، الذي استبعد حدوث “مجزرة وظيفية”، فيما رأى خبراء اقتصاديون، بينهم “ديفيد أوتور” من (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا)، أن وتيرة التحول جاءت أبطأ مما كان متوقعاً، وفي المقابل، تشير دراسات حديثة إلى أن تراجع الطلب على بعض الوظائف، يقابله خلق فرص جديدة داخل الشركات التي تتبنى “الذكاء الاصطناعي” بفضل تحسن الإنتاجية، ما يعزز النظرة إليه كأداة مساندة للعامل البشري أكثر من كونه بديلاً كاملاً له.

تكلفة مرتفعة وجدوى محل تساؤل..

ورغم استمرار الإنفاق الهائل على مراكز البيانات والبنية التحتية، لم ينعكس ذلك في طفرة إنتاجية توازي حجم الاستثمارات، كما جاء نمو إنتاجية العمل أقل من المكاسب التي حققتها ثورة تكنولوجيا المعلومات في “تسعينيات القرن الماضي”، وانعكست هذه المخاوف على الأسواق، مع تراجع “مؤشر ناسداك” من قممه الأخيرة، وسط تصاعد الشكوك بشأن العوائد الاقتصادية للقطاع.

وفي الوقت نفسه، تواجه صناعة الذكاء الاصطناعي تحديات متزايدة، أبرزها الارتفاع الكبير في استهلاك الطاقة، إذ تتوقع “وكالة الطاقة الدولية” أن يتجاوز استهلاك مراكز البيانات للكهرباء بحلول “عام 2030″، استهلاك “اليابان” بالكامل، كما تتزايد الضغوط المالية مع تسارع تقادم النماذج وظهور أخرى أكثر تطوراً خلال فترات قصيرة، وهو ما دفع الاقتصادي الحائز على (نوبل في العلوم الاقتصادية لعام 2024)، “دارون أسيموغلو”، إلى التحذير من خسائر ضخمة يتكبدها مطورو النماذج المتقدمة.

وبينما يواصل “إيلون ماسك” التمسك برؤيته بأن الذكاء الاصطناعي والروبوتات سينفذان معظم الأعمال مستقبلاً، تشير المؤشرات الحالية إلى أن التحدي الأكبر لم يعد اختفاء الوظائف، بل قدرة هذه التكنولوجيا على الوفاء بوعودها الاقتصادية دون تحميل الحكومات والشركات والمجتمعات كلفة يصعب تحملها.

اترك تعليقا