البحرين تعزز ريادتها في الاقتصاد المالي الإسلامي

التحول الرقمي والتمويل المستدام يدفعان نمو الصيرفة الإسلامية

تشهد مملكة البحرين خلال عام 2026 مرحلة جديدة من تطوير قطاع الاقتصاد المالي الإسلامي، عبر توسيع نطاق الخدمات المصرفية الرقمية، وتعزيز أدوات التمويل المستدام، ودعم الابتكار في الصناعة المالية الإسلامية، بما يرسخ مكانتها كأحد أبرز المراكز الإقليمية والعالمية في هذا المجال.

ويأتي هذا التوجه ضمن استراتيجية تستهدف رفع كفاءة القطاع المالي، وزيادة مساهمة المؤسسات المالية الإسلامية في تمويل المشروعات التنموية والاستثمارات، بالتوازي مع تبني أحدث التقنيات المالية، وتطوير البيئة التشريعية والتنظيمية بما يواكب التحولات العالمية في الصناعة المصرفية.

البحرين.. خبرة تاريخية في الصيرفة الإسلامية

تُعد البحرين من أوائل الدول التي احتضنت صناعة التمويل الإسلامي منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث شهدت تأسيس عدد من المصارف الإسلامية الرائدة، قبل أن تتحول إلى مركز دولي لوضع المعايير والضوابط المنظمة للقطاع.

وساهم وجود هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي) في البحرين في ترسيخ مكانة المملكة كمصدر رئيسي للمعايير المحاسبية والشرعية والرقابية التي تعتمدها مؤسسات التمويل الإسلامي في عشرات الدول، ما منح القطاع المالي البحريني بعدًا دوليًا يتجاوز حجم السوق المحلية.

التحول الرقمي يعيد تشكيل القطاع المالي

يواصل مصرف البحرين المركزي تنفيذ خططه الرامية إلى تسريع التحول الرقمي داخل القطاع المالي، من خلال تشجيع الابتكار في التكنولوجيا المالية (FinTech)، وتطوير الخدمات المصرفية الإلكترونية، وتوسيع استخدام الحلول الرقمية، مع الحفاظ على أطر رقابية تضمن الاستقرار المالي وحماية حقوق المتعاملين.

ويهدف هذا التحول إلى رفع كفاءة المؤسسات المالية الإسلامية، وتحسين تجربة العملاء، وتعزيز قدرة البحرين على المنافسة في سوق الخدمات المالية العالمية التي تتجه بوتيرة متسارعة نحو الرقمنة والذكاء الاصطناعي.

منافسة إقليمية تتطلب مزيدًا من الابتكار

تأتي جهود البحرين في وقت تشهد فيه صناعة التمويل الإسلامي منافسة متزايدة بين المراكز المالية في الخليج وآسيا، خاصة مع توسع التجارب في السعودية والإمارات وماليزيا وإندونيسيا، ما يدفع المملكة إلى التركيز على المجالات التي تمتلك فيها مزايا تنافسية، مثل التشريعات المتقدمة، والخبرات المصرفية، والتعليم المالي المتخصص.

ويرى اقتصاديون أن قدرة البحرين على المحافظة على مكانتها لا تعتمد على حجم اقتصادها، وإنما على استمرارها في تطوير البيئة التنظيمية، وابتكار منتجات مالية جديدة تستجيب لاحتياجات الأسواق الإقليمية والعالمية.

المعرفة المالية ميزة تنافسية

يشير الاقتصادي البحريني جعفر حمدان، في دراسات تناولت تطور القطاع المالي الخليجي، إلى أن قوة البحرين تكمن في قدرتها على إنتاج المعرفة المالية، وبناء منظومة تنظيمية متقدمة تستقطب المؤسسات المتخصصة، وهو ما عزز مكانتها كمركز لتطوير الصناعة المالية الإسلامية.

في المقابل، يؤكد الباحث في الاقتصاد الإسلامي محمد نجم الدين عمر أن مستقبل التمويل الإسلامي يرتبط بقدرته على الانتقال من التركيز على المنتجات المصرفية التقليدية إلى تمويل الاقتصاد الحقيقي، عبر دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والاستثمار في الطاقة النظيفة، وتمويل المبادرات الاجتماعية والتنموية.

التمويل المستدام والصكوك الخضراء

تتجه البحرين أيضًا إلى تعزيز حضورها في قطاع التمويل المستدام، مستفيدة من تزايد الاهتمام العالمي بالاستثمار المسؤول، حيث تمثل الصكوك الخضراء وأدوات التمويل الإسلامي المتوافقة مع معايير الاستدامة فرصة مهمة لتمويل مشروعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية منخفضة الانبعاثات.

وتشير تقارير البنك الإسلامي للتنمية إلى استمرار نمو صناعة التمويل الإسلامي عالميًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بارتفاع الطلب على المنتجات المالية المتوافقة مع الشريعة، إلى جانب الاهتمام المتزايد بالتمويل الأخلاقي والاستثمار المستدام، رغم استمرار تحديات تتعلق بتوحيد المعايير وتعزيز الابتكار المالي.

الكفاءات البشرية ركيزة المرحلة المقبلة

يرى خبراء أن نجاح البحرين في الحفاظ على مكانتها المالية يتطلب الاستثمار بصورة أكبر في تنمية الكفاءات البشرية، خاصة في مجالات تحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، وإدارة المخاطر، والأمن السيبراني، والحوكمة، باعتبارها عناصر أساسية في مستقبل الصناعة المالية.

كما يؤكد مختصون أن المنافسة العالمية لم تعد تعتمد فقط على حجم رؤوس الأموال، بل أصبحت ترتكز على امتلاك الخبرات القادرة على تطوير منتجات مالية مبتكرة، وتقديم حلول رقمية تلبي احتياجات المستثمرين والأسواق.

يتوقع مراقبون أن يواصل الاقتصاد المالي الإسلامي نموه خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بتوسع الأسواق الإسلامية، وارتفاع الطلب على أدوات الاستثمار المتوافقة مع مبادئ الشريعة، إلى جانب تنامي الاهتمام العالمي بالتمويل المستدام.

وفي هذا السياق، تمتلك البحرين فرصة لتعزيز دورها كمركز إقليمي للابتكار المالي الإسلامي، إذا نجحت في الجمع بين خبرتها التاريخية، وتحديث بنيتها التنظيمية، وتطوير منتجات مالية أكثر تنوعًا، وربط القطاع المالي بصورة أكبر بالاقتصاد الإنتاجي والاستثمارات طويلة الأجل.

ومع استمرار التحول الرقمي وتزايد الاعتماد على التقنيات الحديثة، تبدو المملكة في موقع يؤهلها للحفاظ على مكانتها كأحد أبرز مراكز الاقتصاد المالي الإسلامي، شريطة مواصلة الاستثمار في الابتكار، وتنمية الكفاءات، وتعزيز التكامل بين التمويل الإسلامي ومتطلبات التنمية الاقتصادية المستدامة.

اترك تعليقا